الرئيسيةأخبار إيرانإيران والإعلان العالمي لحقوق الإنسان: حين تغتال "سياسة الموت" كرامة الأحياء

إيران والإعلان العالمي لحقوق الإنسان: حين تغتال “سياسة الموت” كرامة الأحياء

0Shares

إيران والإعلان العالمي لحقوق الإنسان: حين تغتال “سياسة الموت” كرامة الأحياء

في الوقت الذي يحيي فيه العالم ذكرى صدور “الإعلان العالمي لحقوق الإنسان” كوثيقة لضمان كرامة البشر بعد ويلات الحروب، يقف نظام طهران على طرف النقيض تماماً من هذه القيم. فبينما يحتفي العالم بمفاهيم الحرية والمساواة، تشهد إيران انتهاكاً ممنهجاً لكل بند من بنود هذا الإعلان. إن الواقع الإيراني اليوم لا يعكس مجرد تجاوزات قانونية، بل يمثل تضاداً فلسفياً وتاريخياً عميقاً مع الحضارة الإنسانية، حيث حوّل الاستبداد الديني البلاد إلى سجن كبير، وسجّل شهر نوفمبر الماضي (2025) أرقاماً قياسية مروعة في الإعدامات، مما يضع المجتمع الدولي أمام اختبار أخلاقي حقيقي: هل تنتصر المصالح الاقتصادية على دماء الأبرياء؟

إعدام كل 90 دقيقة.. نوفمبر 2025 يسجل أعلى حصيلة دموية في إيران منذ 37 عاماً

سيبقى شهر نوفمبر 2025 محفوراً في ذاكرة التاريخ المعاصر لإيران كواحد من أكثر الشهور دموية خلال الـ 37 عاماً الماضية. فقد شهد هذا الشهر إعدام ما لا يقل عن 335 سجيناً، بينهم 7 نساء، بالإضافة إلى عمليتي إعدام وحشيتين في الساحات العامة بطريقة تعود للقرون الوسطى.

جذور التناقض: بين التنوير وظلام الاستبداد

لقد وُلد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان من رحم المعاناة البشرية في القرن العشرين، مستلهماً قيم عصر التنوير والثورة الفرنسية التي أرست مفاهيم الديمقراطية وحقوق المواطنة. هذه المكتسبات التي راكمتها البشرية عبر قرون، يتم دهسها يومياً في إيران تحت حكم نظام “ولاية الفقيه”. وبنظرة فاحصة، نجد أن المواد الثلاثين للإعلان العالمي قد أفرغت من محتواها، ويكفي تأمل المواد الثلاث الأولى لإدراك حجم الكارثة.

المواد الثلاث الأولى: حبر على ورق

تنص المادة الأولى على أن الناس يولدون أحراراً ومتساوين. لكن التقارير الرسمية للنظام نفسه تعترف بوجود أكثر من مليون شخص في محافظات مثل سيستان وبلوشستان وخراسان وغيرها يعانون من “انعدام الهوية” (بدون جنسية)، حيث تتصدر سيستان وبلوشستان قائمة المحرومين من أبسط حقوق المواطنة. فأي حديث عن الحرية والمساواة يجدي نفعاً مع إنسان لا تعترف الدولة بوجوده أصلاً؟

أما المادة الثانية، التي ترفض التميز، فتصطدم بواقع مرير من الاضطهاد الممنهج ضد الأقليات (السنة، البلوش، المسيحيين، والبهائيين). لقد تحول اختلاف المعتقد في إيران إلى تهمة تصل عقوبتها للإعدام. وتتجلى ازدواجية المعايير في القضاء بشكل صارخ؛ فبينما يُحاكم متظاهر مثل “محسن شكاري” ويُعدم في غضون 18 يوماً فقط فيما وصفته وسائل الإعلام بـ “ماراثون لزهق الروح”، يتمتع كبار الفاسدين وقتلة الشعب بحصانة تمتد لسنوات وعقود.

وفيما يتعلق بـ المادة الثالثة (الحق في الحياة والأمن)، فقد حولت الأجهزة الأمنية والقمعية هذا الحق إلى سراب. والمفارقة السوداء تكمن في تشكيل السلطة القضائية لما يسمى “لجنة حقوق الإنسان”، وهي هيئة هدفها الوحيد تبييض وجه النظام وتبرير أحكام التعذيب والإعدام أمام المحافل الدولية، في مشهد عبثي يتحدث فيه الجلاد بلسان الضحية.

اليوم العالمي لحقوق الإنسان: إيران في قمة القائمة السوداء عالمياً ـ إعدامات سياسية لا تتوقف، إبادة صامتة للأقليات، وخنق تام للفضاء الرقمي

أصدرت “جمعية حقوق الإنسان الإيرانية” ، يوم الثلاثاء 9 ديسمبر 2025، تقريراً شاملاً وموثقاً بمناسبة اليوم العالمي لحقوق الإنسان. ورسم التقرير صورة قاتمة ومفصلة لوضع حقوق الإنسان في إيران، مؤكداً أن هذا اليوم يمر على الإيرانيين في ظل نظام حول البلاد إلى سجن كبير

سياسة الموت: إحصائيات الدم

لعل الوجه الأكثر بشاعة لهذا النظام هو استخدامه المفرط لعقوبة الإعدام كأداة للترهيب والبقاء. لقد سُجل شهر نوفمبر 2025 باعتباره الشهر الأكثر دموية منذ 37 عاماً، حيث أُعدم ما لا يقل عن 335 سجيناً، بينهم 7 نساء. هذه الأرقام التي تضاعفت بشكل جنوني مقارنة بالأعوام السابقة، واستمرت وتيرتها في مطلع ديسمبر (بمعدل إزهاق روح كل ساعة ونصف)، تؤكد أن النظام يعيش أزمة شرعية عميقة يحاول تغطيتها بحبال المشانق. إن هذا القتل الممنهج يرقى بوضوح إلى مستوى “الجرائم ضد الإنسانية”.

نداء إلى الضمير العالمي

إن حقوق الإنسان في إيران ليست شأناً داخلياً فحسب، بل هي قضية تمس الضمير العالمي. إن استمرار المجتمع الدولي في إصدار بيانات القلق الروتينية، بينما يصف خامنئي وأتباعه حقوق الإنسان بأنها “أداة إمبريالية”، لم يعد مقبولاً.

المطلوب اليوم موقف حازم يتجاوز المصالح السياسية العابرة؛ موقف ينتصر لدماء الإيرانيين التي كُتبت بها وثيقة حقوق الإنسان الحقيقية في شوارع طهران والمدن الثائرة. إن التاريخ لن يرحم الصامتين، وستظل حقوق الإنسان المعيار الفاصل بين شرف الدول وخزي التواطؤ.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة