انتفاضة نوفمبر 2019: السمات والجذور الأساسية
في 15 نوفمبر 2019، وبعد قرار النظام الإيراني رفع سعر البنزين ثلاثة أضعاف، أشعل المواطنون المحرومون والمقهورون، وفي طليعتهم الشباب المنتفضون، شرارة انتفاضة عمّت أرجاء إيران بسرعة غير مسبوقة. ففي هذه الانتفاضة البطولية، هتف أبناء الشعب والشباب الثائرون في 191 مدينة بقطع الطرق والطرق السريعة بشعارات: الموت لخامنئي و الموت للدكتاتور.
وقد أضرموا النار في مراكز النهب والقمع، البنوك، المباني الحكومية، ومكاتب أئمة الجمعة التابعين لخامنئي، وأسقطوا صور خامنئي ورموز هذا النظام الفاسد والمجرم وأحرقوها. كما اشتبكوا مباشرة مع وحوش القمع من قوى الأمن والحرس والباسيج والمخابرات والبلطجية، وجعلوا العديد من مراكزهم هدفاً لنيران غضبهم.
وفي غضون يومين فقط، تحولت إيران بأكملها إلى ساحة مواجهات بين الشباب المنتفضين من جهة، وقوات الحرس القمعية من جهة أخرى، حتى أنّ قطعان خامنئي في العديد من المدن فرّوا أمام الهجمات الجريئة لأبطال الانتفاضة.
وخلال يوم 16 نوفمبر وحده، أحرق الشعب البطل ووحدات المقاومة والمنتفضون المراكز الحكومية والآليات والمقرات ما يفوق ما تم حرقه وتدميره خلال كامل انتفاضة ديسمبر 2017. كما لقّن الشباب الثائرون المرتزقة درساً قاسياً، واقتحموا مراكز القمع ومخافر الشرطة، وحرروا أجزاء من بعض المدن، وأرعبوا النظام بأكمله.
انتفاضة نوفمبر – من تبريز إلى الأهواز، ومن شيراز إلى مشهد
من تبريز إلى الأهواز، ومن شيراز إلى مشهد، ومن أصفهان إلى رشت، ومن سنندج إلى كرج، وحتى بهبهان وخرمآباد وأحياء طهران الثائرة؛ كانت الساحة مسرحاً لبطولات مجاهدي الشهداء الذين، كقادة وأعضاء وحدات المقاومة، اشتبكوا مع قوات الحرس وقطعان المرتزقة الدمويين للنظام.
ثورة النار – غضب شعبي انفجاري
من أبرز سمات تلك الانتفاضة الكبرى الانفجار العنيف لغضب الشعب وحجم النيران الهائل الذي التهم مؤسسات النظام. فقد هاجم المواطنون الغاضبون والشباب الثائرون البنوك، محطات الوقود، مخافر الشرطة، مباني المحافظات والبلديات، حواجز الشرطة، آليات القمع، قواعد الباسيج والحرس، المراكز التجارية التابعة للحرس، الحوزات (مراكز الجهل والجريمة)، مكاتب أئمة الجمعة، أجهزة الصراف الآلي، صناديق “لجنة الإمداد”، وغيرها من المراكز الحكومية، وأضرموا فيها النيران.
وعلى خلاف بروباغاندا النظام المضلّلة، لم يتعرض المنتفضون لأي ملك عام أو خاص تابع للناس.
الطابع المنظم للانتفاضة
من السمات المهمة أيضاً الطابع المنظم للانتفاضة ومشاركة واسعة لوحدات المقاومة فيها.
فقد اعترف ذوالنوري رئيس لجنة الأمن القومي في برلمان النظام في مقابلة بتاريخ 3 ديسمبر قائلاً:
«أُلقي على أحد مقرات الباسيج خمسون قنبلة غازية لتمهيد اقتحامه. هؤلاء كانوا مدرَّبين، لديهم فرق مهمتها تنفيذ عمليات دقيقة، ويستخدمون عجائن خاصة تُلصق على الجدران فتكسرها وتعطل الأعمدة. كانت فرق تعمل في مجموعات من ثلاثة أشخاص لكسر الأقفال واقتحام المواقع».
ولمواجهة انتفاضة كانت على وشك اقتلاع جذور النظام، أصدر خامنئي أمر إطلاق النار. فقتلت قواته بوحشية غير مسبوقة ما لا يقل عن 1500 شخص بالرصاص الذي اشتروه من أموال الشعب نفسه.
وأطلقوا النار حتى على الشباب الذين احتموا بالقصب في معشور باستخدام الدوشكا. ووفقاً لمفوضة الأمم المتحدة السامية ميشيل باشليه، فقد اعتُقل ما لا يقل عن 7000 شخص في 28 محافظة منذ اليوم الأول.
إن جمع هاتين السمتين—التنظيم الواسع، وشدة القمع—يثبت أن استراتيجية وحدات المقاومة في انتفاضة نوفمبر 2019 أثبتت صحتها على أرض الواقع.
الشباب – القوة المحركة لانتفاضة نوفمبر
كان للشباب والنساء الدور الأبرز في الانتفاضة.
ويؤكد كتاب «آتش خاموش» (النار الهادئة) الصادر عن مؤسسة بحثية باسم «رحمان» أن غالبية المشاركين والمعتقلين والشهداء كانوا من الشباب المحرومين:
«حركة الشباب هي نقطة تلاقي الوعي مع الحرمان؛ شباب واعون بعمق المظالم، يستغلون كل فرصة لرفع صوتهم. ويمكن القول إنهم المحرك الرئيسي لاحتجاجات نوفمبر».
ويضيف الكتاب:
«يمكن اعتبار حركة الشباب تعبيراً عن جهود واعية من شريحة شبابية تهدف إلى بدء تغيير اجتماعي، أو مقاومة اختلال النظام القائم، بعد اكتساب وعي جديد بحقوقهم المدنية والسياسية».
دور النساء – الشرارة التي كسرت الحاجز
من أبرز سمات انتفاضة نوفمبر أيضاً الدور القيادي للنساء.
ففي العديد من المدن، قادت النساء الانتفاضة بشجاعة استثنائية في مواجهة الرصاص.
وقد اضطر النظام للاعتراف بنفوذ هذا الدور. فوكالة فارس التابعة للحرس كتبت:
«برزت القيادة الميدانية للنساء في أعمال الشغب بشكل لافت. في عدة نقاط، خاصة ضواحي طهران، لعبت نساء في الثلاثينيات دور القيادة؛ إحداهن تصور، الثانية توقف السيارات، والثالثة تحرض الناس على الانضمام…».
مقاومة تمتلك استراتيجية منتصرة
إن الحركة الديمقراطية للشعب الإيراني، بفضل مقاومة منظمة وبديل سياسي واضح، أغلقت الطريق أمام كل البدائل الوهمية من أمثال نظام الشاه أو نظام الملالي. فكل تطور يقود نحو إسقاط النظام يسير في الطريق الذي مهّدته هذه المقاومة، برؤيتها واستراتيجيتها الواضحة.
وتبقى انتفاضة نوفمبر 2019 أفضل شهادة اجتماعية–نضالية على صحة استراتيجية هذه المقاومة.
إن جيل مسعود رجوي، بإشعال ملحمة 20يونيو 1981، أثبت أن الاستراتيجية الوحيدة القادرة على مواجهة ولاية الفقيه هي:
“النار تُجابَه بالنار”.
وكانت انتفاضة نوفمبر 2019 إحدى ثمار شجرة زرعها المجاهدون قبل 40 عاماً وسقوها بدمائهم.
وليس عبثاً أن البدائل المزيّفة لاذت بالصمت والغياب أمام انتفاضة نوفمبر، إذ حين يصبح الميدان جدياً، لا يبقى فيه إلا المجاهدون وحلفاؤهم، والنساء والشباب المنتفضون، وشعب يرى في أشرف-3 ووحدات المقاومة أمله الوحيد.
إن نوفمبر الدامي سيستمر حتى تُقام على أنقاض الاستبداد الديني جمهورية ديمقراطية تليق بالشعب الإيراني.

