معركة على حافة الهاوية: تصاعد حرب الأجنحة في النظام الإيراني
في ظل تآكل قبضة الولي الفقيه علي خامنئي، الذي لم يعد يظهر علنًا ولم يعد يمتلك القدرة السابقة على لجم ذئاب نظامه المتصارعة، انزلقت بنية السلطة في إيران إلى حرب أهلية غير معلنة. لم يعد الصراع يدار خلف الأبواب المغلقة وفق “قواعد اللعبة” غير المكتوبة التي حكمت العلاقة بين الأجنحة لعقود، بل تحول إلى معركة وجودية مفتوحة تُستخدم فيها كل الأسلحة. لقد أدى الفراغ المتزايد في قمة هرم السلطة إلى إطلاق العنان لزمر النظام التي باتت تشعر بأن معركة البقاء قد بدأت، وأن عليها إما أن تقضي على خصومها أو تُقضى عليها.
في مؤشر واضح على تآكل قبضة الولي الفقيه علي خامنئي وتصاعد الصراع على السلطة، انفجرت حرب الذئاب داخل النظام الإيراني بشكل علني وغير مسبوق. لم يعد الصراع يدار خلف الأبواب المغلقة، بل انتقل إلى حلبة البرلمان
هذه الحرب لم تعد مجرد مناورات سياسية، بل أصبحت عملية تدمير ذاتي، حيث يستخدم كل طرف المنابر الرسمية، من برلمان ووسائل إعلام، كمنصة لتصفية حساباته. والأخطر من ذلك هو أنهم بدأوا في كشف ملفات الفساد والخيانة لبعضهم البعض، في محاولة لإسقاط الخصم. لكن كل فضيحة تُكشف، وكل تهمة تُطلق، لا تصيب فقط الجناح المستهدف، بل ترتد كرصاصة طائشة لتصيب شرعية النظام بأكمله في مقتل. هذه المواجهة الشرسة والعلنية أدت إلى شلل استراتيجي كامل، حيث أصبح النظام عاجزًا عن اتخاذ أي قرار حاسم، مما يدفعه بسرعة نحو مأزق شامل وانهيار محتوم.
في هجوم كاسح يعكس موقف التيار الأكثر تشددًا، شن سعيد جليلي، ممثل خامنئي في المجلس الأعلى للأمن القومي، هجومًا لاذعًا على مسار المفاوضات مع الغرب، معتبرًا إياه طريقًا للفشل والخيانة. في خطاب ألقاه في 26 أكتوبر، تساءل جليلي: “لماذا قال قائد الثورة المعظم إن هذه السنوات العشر يجب ألا تُنسى؟”. وأجاب بأن مسار الاتفاق النووي الذي اتبعه البعض أثبت فشله، حيث قدمت إيران تنازلات هائلة دون مقابل، وفي النهاية انسحبت أمريكا ورفضت أوروبا الوفاء بتعهّداتها.
ثم وجه جليلي نيرانه نحو اتفاق شرم الشيخ الأخير، ووصف المؤيدين له بأنهم مثل “شخص يريد أن يصبح من عملاء السافاك في ليلة انتصار الثورة”. واعتبر أن الاتفاق لم يكن سوى “سيرك وعرض مهين” لجميع الدول المشاركة، وأن الدعوة لاغتنام “فرصة شرم الشيخ” هي دعوة للخيانة في وقت يرى فيه العالم أن إيران “لاعب فعال” في مواجهة الهيمنة الأمريكية.
بعد أن دعا التيار المغلوب داخل النظام الإيراني، المعروف بـ«جبهة الإصلاحات»، إلى إجراء مفاوضات مباشرة مع الولايات المتحدة ووقف تخصيب اليورانيوم، اندلعت حرب شرسة بين زمر الحكم، كاشفة عن حجم التصدعات التي تهدد هيكل السلطة
ومن جانبه، دخل محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان، على خط المواجهة بلهجة تهديدية. في تغريدة له، كتب قاليباف: “لن نلتفت إلى الانقسامات الفصائلية في مسار الوحدة والأمن. وسنقف في وجه السياسيين الذين يضحون بالمصلحة الوطنية من أجل مصالحهم الفئوية أو الذين يريدون قفل إدارة البلاد”. هذا التهديد المباشر من رئيس السلطة التشريعية يُفسَّر على أنه رسالة للجناح المنافس بأن أي محاولة لعرقلة مسار الدولة ستواجه بقوة.
وفي المقابل، لم يقف الجناح الإصلاحي صامتًا أمام الهجمات الشرسة التي تعرض لها الرئيس السابق حسن روحاني في البرلمان. وفي رد رمزي بالغ الدلالة، كتب منصوري، رئيس جبهة الإصلاحيين، تغريدة مقتضبة: “لياخوف ليس مجرد اسم في تاريخ إيران!”.
هذه الإشارة تستدعي ذكرى الكولونيل الروسي لياخوف الذي قصف البرلمان الإيراني بأمر من الشاه في مطلع القرن العشرين لإخماد الثورة الدستورية. وبهذا، يتهم الإصلاحيون خصومهم المتشددين بأنهم يسعون لتدمير ما تبقى من مؤسسات الدولة، تمامًا كما فعل لياخوف.
ولكن الرد جاء سريعًا من نائب سابق متشدد يُدعى موسوي، الذي قلب الاتهام رأسًا على عقب قائلاً: “لياخوف هو من قصف البرلمان… وهذا هو بالضبط ما تفعله أنت وروحاني ورفاقك الآن”. كما سخرت وكالة أنباء فيلق القدس من تغريدة منصوري ووصفتها بأنها “دراما وكوميديا” بعيدة عن الواقع السياسي.
إن هذا السجال العنيف والعلني، الذي يشارك فيه ممثل خامنئي ورئيس البرلمان وشخصيات بارزة أخرى، يكشف أن الصراع داخل النظام الإيراني قد تجاوز مرحلة المناورات السياسية التقليدية. إنه الآن صراع وجودي على هوية النظام ومستقبله، في ظل غياب سلطة مركزية قادرة على ضبط إيقاعه، مما ينذر بتصدعات أعمق قد تؤدي إلى انهيار الهيكل بأكمله.
- النظام الإيراني في أضعف نقطة من تاريخه

- صحيفة بالتيمور صن تعري إستراتيجية النظام الإيراني في خنق المجتمع والتغطية على الفشل الهيكلي

- مظاهرة كبرى في باريس بمشاركة أكثر من مائة ألف شخص

- لا لسرقة الثورة ولا للاستبداد: دماء يناير ترسم حدوداً دموية ضد نظام الملالي وبقايا الشاه

- إرث خميني مدمّر: عقود من الاستبداد الكهنوتي وتاريخ من المقاومة التي لا تنحني

- إيران: إعدام تعسفي دون الإعلان عن الزمان والمكان من قبل السلطة القضائية لنظام الجلادين

- علي صفوي في البرلمان الكندي: النظام الإيراني يعيش أضعف مراحله التاريخية والمقاومة المنظمة تقود التغيير

- شخصيات وبرلمانيون في كندا: إعدامات النظام الإيراني دليل هشاشته


