الرئيسيةمقالاتستون عامًا تحت حصار الأكاذيب: تاريخ شيطنة مجاهدي خلق

ستون عامًا تحت حصار الأكاذيب: تاريخ شيطنة مجاهدي خلق

0Shares

ستون عامًا تحت حصار الأكاذيب: تاريخ شيطنة مجاهدي خلق

يُطلق مصطلح “الشيطنة” (Demonization) في أدبيات العلوم السياسية وعلم الاجتماع السياسي على العملية التي يتم من خلالها تصوير جماعة أو قوة اجتماعية بشكل ممنهج وهادف بصفات سلبية أو غير إنسانية أو شيطانية، بهدف إضعاف شرعيتها في الرأي العام وتمهيد الطريق لنبذها أو إزالتها. في هذا السياق، لا يقتصر الهدف النهائي لخطابات الشيطنة على تشويه السمعة فحسب، بل يتعداه إلى الإزالة الكاملة لرموز وأفكار وحاملي خطاب منافس من الدائرة السياسية والمكانة الاجتماعية والتاريخية.

في الأدبيات السياسية الكلاسيكية، يمكن ملاحظة أمثلة على هذه الظاهرة في حقبة محاكم التفتيش الكنسية، والدعاية النازية ضد اليهود، وكذلك في السياسات الستالينية ضد المعارضين الحزبيين.

منظمة مجاهدي خلق: هدف للشيطنة في ظل ديكتاتوريتين

في إيران المعاصرة، أصبحت الشيطنة أحد المكونات الثابتة لاستراتيجيات السلطة؛ خاصة في مواجهة القوى الثورية الساعية لإسقاط النظام، والتي تعتبرها الفاشية الدينية تهديدًا لهيمنتها الإيديولوجية وسلطتها السياسية.

في هذا السياق، تعد منظمة مجاهدي خلق الإيرانية مثالًا بارزًا، حيث كانت على مدى أكثر من ستة عقود هدفًا لخطابات شيطنة منظمة من قبل ديكتاتوريتين مختلفتين في الشكل ولكنهما متشابهتان في الجوهر: نظام الشاه ونظام ولاية الفقيه. إن تشابه أساليب الإقصاء والتشويه التي اتبعها هذان النظامان ضد مجاهدي خلق، يثبت أن المنظمة لم تكن تُعتبر قوة مؤثرة ذات برنامج ديمقراطي لإيران حرة فقط في مواجهة الاستبداد الديني، بل وقبل ذلك في مواجهة استبداد الشاه أيضًا.

لا يمكن تحليل شيطنة منظمة مجاهدي خلق في إطار عملية نفسية محدودة، فهذه العملية تحولت مع مرور الوقت إلى نظام دلالي متعدد الأبعاد وذي استمرارية تاريخية. هذا النوع من الشيطنة، باستخدام الأدوات الدينية والقانونية والثقافية والإعلامية، لم يستهدف فقط الشرعية الثورية للمنظمة، بل قمع بشكل ممنهج أي إمكانية للتعاطف الاجتماعي معها أو حتى النقاش الحر حولها.

من السافاك إلى حرس النظام الإيراني: تتبع تاريخي لشيطنة مجاهدي خلق

1. عهد الشاه: نشأة الخطاب الأمني

في ستينيات القرن الماضي، برزت منظمة مجاهدي خلق كمنظمة ثورية مسلمة تتبنى الكفاح المسلح ضد ديكتاتورية الشاه، وسرعان ما أصبحت أهم منظمة ثورية معاصرة. ردًا على هذا التهديد، بدأ جهاز السافاك، الذراع الاستخباراتي لنظام الشاه، عمليات واسعة لتشويه صورة المنظمة، بهدف القضاء على شرعيتها الاجتماعية والإيديولوجية إلى جانب قمعها الجسدي.

كانت إحدى أولى الاستراتيجيات المستخدمة هي إلصاق التهم السياسية والإيديولوجية، حيث وصف السافاك مجاهدي خلق بأنهم “مخربون”، و”ماركسيون إسلاميون”، و”عملاء أجانب”. خلقت هذه التسميات ثنائية “نحن/الآخر” بهدف اختزال المنظمة إلى تهديد خارجي، بلا جذور، ومنحرف عن التقاليد الإيرانية الإسلامية.

2. بعد ثورة 1979: الهيكلة الحكومية لخطاب الشيطنة

مع سقوط نظام الشاه ووصول نظام ولاية الفقيه إلى السلطة، كان من المتوقع أن ينشأ فضاء سياسي جديد للقوى الثورية. ومع ذلك، فإن الطبيعة الإيديولوجية للنظام الجديد لم تكن تسمح بوجود أي بديل سياسي منظم، خاصة إذا كان ذا قاعدة شعبية ومناهض للاستبداد.

في هذا الإطار، سارع خميني والمؤسسات الرسمية إلى وصف منظمة مجاهدي خلق بـ “المنافقين”، لأنها رفضت الخضوع لولاية الفقيه. كان لهذه التسمية التي ابتدعها خميني حمولة دلالية عميقة وخطيرة؛ فـ”المنافق” ليس مجرد معارض سياسي، بل هو عدو للإسلام الرجعي الذي يمثله الملالي ويُعتبر “مهدور الدم”، وهو ما استتبعه حكم الإعدام في قوانين النظام. تدريجيًا، تم وصف المجاهدين بألقاب مثل “المحاربين” والمرتدين”و”البغاة”و”أعداء الثورة”**. هذا الخطاب الفقهي-القضائي مهّد الطريق لواحدة من أفظع الجرائم المنظمة في تاريخ إيران المعاصر: الإعدامات الجماعية في الثمانينيات، وتحديدًا مجزرة عام 1988 ضد السجناء السياسيين بناءً على فتوى من الخميني.

صياغة الاتهامات: أدوات خطاب الشيطنة

1. تهمة الارتباط بأعداء إيران: من أكثر التهم ثباتًا، ربط مجاهدي خلق بالقوى الأجنبية مثل أمريكا، إسرائيل، العراق، والسعودية. يهدف هذا النهج إلى تصوير المنظمة على أنها “غير إيرانية”، “خائنة”، و”طابور خامس”.

2. تهمة الطائفية وغسيل الدماغ: منذ تسعينيات القرن الماضي، ركز الخطاب الرسمي على وصف المنظمة بأنها “طائفة مغلقة”. تم الترويج لمفاهيم مثل “الطلاق الإيديولوجي”، “محو الفردية”، “التبعية المطلقة للقائد”، و”قطع الصلة بالأسرة” لتصوير المنظمة كجماعة دينية خطيرة.

3. تهمة العنف والإرهاب: كان تصوير النضال المسلح المشروع لمجاهدي خلق ضد الفاشية الدينية على أنه “إرهاب” أحد أركان الشيطنة، مع تجاهل تام لمرحلة النضال السياسي وضبط النفس الذي مارسته المنظمة لمدة عامين ونصف في وجه القمع الممنهج والتعذيب والإعدامات.

4. الهجوم على الأسس الأخلاقية والأسرية: حاول النظام تشكيل صورة بغيضة عن المنظمة في أذهان الناس من خلال توجيه اتهامات أخلاقية شنيعة، خاصة فيما يتعلق بالعلاقات الأسرية، دون تقديم أي دليل قانوني موثوق.

5. استخدام المصطلحات الدينية لنزع الشرعية: كانت أقوى أدوات النظام هي استخدام مفاهيم دينية مثل “النفاق”، “المحاربة”، “الردة”، و”البغي” لتبرير القمع والقتل، مما أضفى شرعية دينية مزعومة على جرائمه.

وظائف وأهداف خطاب الشيطنة

1. إضفاء الشرعية على القمع الجسدي: كان الهدف الأهم هو تمهيد الطريق نفسيًا وأخلاقيًا لتبرير القمع الواسع. الإعدامات الجماعية في الثمانينيات، التي وصفها البروفيسور جاويد رحمان بـ “الجريمة ضد الإنسانية” و”الإبادة الجماعية”، هي أبرز مثال على ذلك.

2. إدارة الرأي العام ومنع التعاطف: سعى النظام لمنع أي تعاطف شعبي مع المنظمة أو ضحايا القمع، من خلال دعاية تصورهم كـ “مجرمين قساة” أو “خونة للوطن”.

3. إغلاق الطريق أمام البديل الديمقراطي: في ظل أزمات الشرعية والفساد التي يعاني منها، يدرك النظام أن قوة منظمة مثل المقاومة الإيرانية والبديل الديمقراطي للمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية المتمثل في خطة السيدة مريم رجوي ذات العشر مواد، تشكل التهديد الأول لسقوطه. لذا، يلجأ إلى شيطنة هذا البديل بشتى الطرق.

4. تبرئة هيكل السلطة: استخدم النظام الشيطنة لتحميل “أعداء متربصين” مسؤولية فشله وأزماته، خاصة أثناء الاحتجاجات الشعبية والانتفاضات، حيث يتم تقديم مجاهدي خلق كـ “اليد الخفية المزعزعة للاستقرار”.

5. تسهيل التعاون الأمني مع القوى الخارجية: سعى النظام من خلال تصوير مجاهدي خلق كـ “إرهابيين” إلى كسب دعم دولي لقمع أعضاء المنظمة في الخارج، لكن هذه المحاولات باءت بالفشل بفضل الحملات القانونية والسياسية التي أدت إلى شطب اسم المنظمة من قوائم الإرهاب في أوروبا وأمريكا.

ضرورة كسر الخطاب الحاكم

إن خطاب الشيطنة ضد منظمة مجاهدي خلق ليس مجرد مشروع دعائي، بل شبكة معقدة من المفاهيم والاتهامات والسياسات التي صُممت لخدمة بقاء الفاشية الدينية. إن تحليل وفضح هذه الشيطنة الممتدة على مدى 60 عامًا ضرورة حيوية. فقط من خلال ذلك يمكن تحرير الفضاء السياسي الإيراني من احتكار الروايات الفاشية وكشف الحقائق للشعب الإيراني دون رقابة أو تحريف.

إن الذكرى الستين لتأسيس منظمة مجاهدي خلق الإيرانية تبشر بالانتصار الكامل على حملات الشيطنة التي شنتها الفاشيتان، الشاه والملالي.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة