عقول محطمة ونظام منهار، أزمة الصحة النفسية في إيران
بقلم: الدكتور البرز بهادر، أخصائي علم النفس السريري وباحث وممارس
تواجه إيران أزمة صحة نفسية ذات أبعاد مذهلة. يعاني واحد من كل أربعة إيرانيين حالياً من اضطراب نفسي يمكن تشخيصه. وحتى هذه الأرقام تقلل من عمق الأزمة، لأن الكثيرين يعانون في صمت، دون إحصاء أو علاج. وخلف هذه الإحصاءات تكمن حقيقة أكثر قتامة: لقد انهار نظام الصحة في إيران، الذي كان يوماً ما من بين أقوى الأنظمة في الشرق الأوسط، تحت وطأة نظام استبدادي يهتم بالبقاء والإثراء أكثر من خدمة شعبه. من خدمات الطب النفسي التي تعاني من نقص التمويل إلى استخدام المؤسسات النفسية للقمع السياسي، حول النظام الإيراني ما كان يجب أن يكون نظاماً للشفاء إلى أداة أخرى للتدهور والسيطرة.
أمة في محنة نفسية
يعد عبء الصحة النفسية في إيران من بين الأعلى في المنطقة. فوفقاً لوزارة الصحة الإيرانية، يعاني ما يقرب من ربع السكان من شكل من أشكال الاضطراب النفسي. وبالنسبة للنساء، فإن الأرقام أكثر إثارة للقلق: تمثل اضطرابات الصحة النفسية أكثر من 12% من إجمالي عبء المرض بين النساء الإيرانيات، مقارنة بـ 8.4% للرجال. والمراهقون والشباب معرضون للخطر بشكل خاص، مع معدلات مذهلة من القلق والاكتئاب والتفكير في الانتحار.
ويتضح عمق الأزمة بشكل أكبر عند فحص البيانات الإقليمية. ففي محافظات مثل خوزستان وسيستان وبلوشستان – وهي مناطق مهمشة تاريخياً وتعاني من نقص الموارد – تنتشر اضطرابات الصحة النفسية بشكل أكبر، مدفوعة بالفقر والعنف والتدهور البيئي.
نظام مهجور وبنية تحتية منهارة
إن البنية التحتية للصحة النفسية في إيران غير كافية على الإطلاق. فوفقاً لتقرير حديث، تفتقر البلاد إلى سياسة متماسكة للصحة النفسية، وتعاني من تدني الأولويات الحكومية، وتتسم بالتجزئة عبر الخدمات. والوصول إلى المهنيين المدربين غير كافٍ بشكل مؤسف. ففي المناطق الريفية والمناطق الحضرية المحرومة، تكاد خدمات الصحة النفسية تكون منعدمة. ولا تقتصر المشكلة على الأعداد فحسب، بل هناك غياب كامل لنظام إحالة منسق، مما يؤدي إلى تنقل المرضى بين الممارسين العامين وغرف الطوارئ والمستشارين الروحيين دون الحصول على رعاية نفسية مناسبة.
تسليح الطب النفسي: أداة للقمع
بالإضافة إلى الإهمال، قام النظام بتسليح الطب النفسي لمعاقبة المعارضة. وقد وثقت العديد من منظمات حقوق الإنسان حالات تم فيها إدخال المتظاهرين، وخاصة النساء، قسراً إلى مؤسسات نفسية بحجة “الوهم” أو “السلوك المعادي للمجتمع”. هذا التكتيك يذكر بشكل مخيف بالممارسات التي استخدمها الاتحاد السوفيتي، حيث كان الطب النفسي يستخدم بشكل روتيني لإسكات المعارضين السياسيين. وفي إيران، يعزز هذا التكتيك رسالة مفادها أن أي انحراف عن المعايير التي تفرضها الدولة ليس إجرامياً فحسب، بل هو مرضي.
وفي إحدى الحالات التي تم تسريبها، تم إرسال طالب جامعي اعتُقل لتنظيمه اعتصاماً طلابياً إلى مرفق نفسي بدعوى أن نشاطه كان علامة على عدم الاستقرار العقلي، حيث تم تخديره واستجوابه تحت المراقبة. وهذا يؤكد كيف أصبحت المؤسسات النفسية امتداداً لجهاز أمن النظام.
الأسباب الهيكلية: السرقة والفساد والاستبداد
لقد استنزف النظام ثروة إيران لتمويل حروب الوكالة، وإثراء النخب الحاكمة، ودعم جهاز أمني متضخم. وفي الوقت نفسه، تدهورت الخدمات العامة بما في ذلك رعاية الصحة النفسية. وعلى الرغم من أن العقوبات قد فاقمت هذه المشاكل، إلا أنها ليست السبب الجذري. فحتى قبل إعادة فرض العقوبات، كان النظام الصحي في إيران في حالة سقوط حر بالفعل بسبب سوء الإدارة الداخلية والنهب الهيكلي. إن نقص الأدوية، بما في ذلك الأدوية النفسية، هو نتيجة لنظام فاسد لشراء الأدوية يحابي المطلعين ويحتكر الإمدادات.
الوصم الثقافي وتواطؤ الدولة
لا يزال المرض النفسي في إيران موضوعاً محظوراً. فالوصم الثقافي يدفع العديد من الأسر إلى إخفاء الاضطرابات النفسية، ويعاني الكثير من الأفراد بمفردهم. وبدلاً من إطلاق حملات تثقيف عامة أو تطبيع العلاج، عزز النظام الصمت. وغالباً ما تقلل السلطات الدينية من شأن إحصاءات الصحة النفسية، وتصور المرض النفسي على أنه فشل روحي أو نقص في الإيمان. ويتفاقم هذا القمع الثقافي بسبب نقص الحماية القانونية، مما يتيح الإيذاء والإهمال والتلاعب الحكومي بالمؤسسات النفسية دون عواقب.
النساء والشباب: الأكثر تضرراً
من بين أكثر الفئات تضرراً النساء والشباب في إيران. تواجه النساء تمييزاً منهجياً على أساس الجنس، وحماية قانونية محدودة، وتهديدات مستمرة بالعنف والشرطة الأخلاقية. ويعاني الكثير منهن من اضطراب ما بعد الصدمة والاكتئاب والقلق. وبالنسبة للشباب، فإن الصدمة نفسية ووجودية. ففي مجتمع لا يقدم سوى القليل من الأمل ويجرم التعبير عن الذات، يعاني الكثير من الشباب الإيراني من اليأس المزمن. وفي إحدى الحالات المأساوية، أضرمت شابة النار في نفسها بعد حرمانها من حقها في الالتحاق بالجامعة والزواج من شريك من اختيارها.
الطريق إلى الأمام: إطار ما بعد الجمهورية الإسلامية
من الواضح أن النظام غير قادرة على إصلاح نظام الصحة النفسية. فالبنية التحتية الفعالة والأخلاقية والمستجيبة للصحة النفسية تتطلب الشفافية والمساءلة والاستثمار – وكلها غير ممكنة في ظل نظام يعيش على سحق الحرية وتكديس الثروة. يجب أن يعطي أي انتقال مستقبلي في إيران الأولوية لإعادة بناء خدمات الصحة النفسية والطبية من الألف إلى الياء، ويجب أن تشمل العدالة الانتقالية محاسبة على كيفية إساءة استخدام المؤسسات النفسية للسيطرة السياسية. إن شعب إيران يستحق أكثر من الشعارات والوعود الكاذبة. إنهم يستحقون الشفاء والكرامة والحق في حياة كاملة.
- أزمة المياه تضرب مشهد: جفاف السدود يفضح فساد النظام الإيراني ومشاريع الحرس التدميرية
- التضخم يبتلع موائد الإيرانيين مسجلاً 62.2%.. اقتصاد في حالة سقوط حر
- الانهيار الاقتصادي ودماء شهداء الإنتفاضة يدفعان النظام الإيراني نحو الهاوية
- صحيفة دير ستاندرد تفضح الإمبراطورية المالية لـ مجتبى خامنئي في قلب أوروبا
- بزشكيان يعترف بـ الانهيار الوشيك.. قلب النظام ينبض بصعوبة وأي ضغط إضافي سيفجره
- اعترافات في برلمان النظام : عرقلة تفتيش الطاقة الذرية، خط الفقر يقفز لـ 50 مليون تومان، وآلاف الوفيات بسبب التلوث







