خامنئي: شعارٌ أجوف حول الإنتاج في اقتصادٍ على حافّة الإفلاس
في جانبٍ من خطابه بمناسبة عيد النوروز مطلع العام الإيراني الجديد، عاد خامنئي مجدّدًا لطرح شعارٍ سنوي تحت عنوان «الاستثمار في سبيل الإنتاج»، في محاولةٍ لتحميل الشعب مسؤولية إنعاش الاقتصاد المنهار، والتنصّل هو ونظامه من أيّ مسؤولية مباشرة.
«الإنتاج المحلي مهمٌّ جدًا، لكنّه يتطلّب استثمارًا. وعندما نتحدّث عن الاستثمار، قد يظنّ البعض أنّنا نعني الاستثمار الأجنبي؛ بينما المقصود هو استثمار أبناء الشعب أنفسهم. فالسيولة النقديّة لدى الناس، والتي تُنفق أحيانًا على شراء المسكوكات، أو الأراضي، أو العقارات، أو العملات الأجنبيّة—وتتسبّب بمشاكل للبلاد بدلًا من أن تعود بأي منفعة—لو وُجِّهت إلى الاستثمار في مجال الإنتاج، لتقدّم البلد».
غير أنّ هذه العبارات، في ظلّ الحقائق الاقتصادية القاسية بإيران، تبدو أقرب إلى محاولة التهرّب من المسؤوليات الكبرى للنظام بدلًا من تقديم حلولٍ واقعية.
وفي موضعٍ آخر من خطابه، يقول خامنئي: «على الناس أن يؤدّوا واجبهم في هذا المجال؛ مَن يستطيع توفير المال أو الإمكانات لتأسيس مشروع إنتاجي—حتی لو كان بسيطًا—فلْيفعل». وبهذا الكلام، يُلقي بعبء إنقاذ الاقتصاد على كاهل مواطنين أثقلتهم على مدار سنواتٍ طويلةٍ وطأة التضخّم الجامح والبطالة الواسعة وتراجع القدرة الشرائية. والمفارقة أنّ جزءًا كبيرًا من مدّخرات الناس ضاع خلال هذه السنوات بفعل النهب الفلكي لمؤسّساتٍ مرتبطة بمكتب خامنئي والحرس الثوري، أو نتيجة إنفاق أبناء المسؤولين والفساد المستشري بين المسؤولين الكبار والصغار، فضلًا عن تهريب أموالٍ هائلة إلى الخارج. فكيف يمكن لمن يكابدون يوميًّا لتأمين قوتهم أن يستثمروا في تدوير عجلة الإنتاج؟
سوق العملات والذهب والمسكوكات المنتفخ بالفقّاعات
أشار خامنئي—الذي وصفه الشعب بـ«خليفة الرجعية» —إلى أمثلةٍ يزعم أنّها حقّقت لصاحبها أرباحًا وأفادت البلاد بفضل المبادرة والهمّة. لكنّ هذا الادعاء يظلّ كلامًا أجوف في غياب أدلّةٍ واقعيّة. فمقوّمات الاقتصاد الخاضع لسيطرة المؤسّسات العسكرية وشبه الحكومية تحوّل أيّ فرصة استثمارٍ للمواطن العادي إلى مجرّد دعابة، إذ إنّ الاحتكار واستغلال النفوذ والفساد لم يترك مجالًا للناس العاديين إلا العيش في ضغوطٍ خانقة.
ويظهر جليًّا مدى وهن دعوة خامنئي لاستثمار الناس في الإنتاج إذا ما تأمّلنا أسواق العملات والذهب والمسكوكات؛ فقد جذبت هذه الأسواق في السنوات الأخيرة رؤوس الأموال الصغيرة نظرًا لعوائدها السريعة وتقلبات أسعارها الشديدة. ففي آخر شهرٍ من عام 1403، قفز سعر المسكوكة الذهبية ثمانية ملايين تومان في يومٍ واحد، وارتفع غرام الذهب عيار 18—الذي كان عند ثلاثة ملايين و254 ألف تومان في بداية العام—بأكثر من 150% ليصل إلى ثمانية ملايين و100 ألف تومان في مطلع 1404. أمّا المسكوكة الكاملة، فقد بلغ سعرها حاليًّا 97 مليونًا و155 ألف تومان، مع «حبابٍ» يناهز 26 مليون تومان، ما يدلّ على اضطراب السوق. كما ارتفعت أسعار أنصاف المسكوكات وأرباعها والمسكوكات الصغيرة إلى حدودٍ خياليّة (60 مليون تومان، و34 مليونًا و800 ألف، و15 مليونًا و400 ألف تومان على التوالي)، وهي أرقامٌ تبيّن مدى تفاقم الفقّاعة التي تشجّع الناس على المضاربة لا على الإنتاج.
فكيف يُمكن إذًا، في مثل هذه الأسواق المنتفخة، تشجيع الاستثمار في إنتاجٍ يحمل من المخاطر ما لا يطيقه المواطن العادي؟
التعتيم على دور اللصّ الأكبر ولصوص النظام الكبار
اللافت في كلام خامنئي غياب أيّ إشارة لدوره الشخصي ودور المؤسّسات الخاضعة لإمرته فيما آل إليه الوضع الاقتصادي. فمكتبه يُشرف على مؤسّساتٍ ضخمة مثل «هيئة تنفيذ أمر الإمام»، و«مؤسسة المستضعفين»، والحرس الإيراني، التي تستحوذ على جزءٍ كبيرٍ من الاقتصاد. هذه المؤسّسات لا تخضع لمعايير الشفافيّة المالية، وتنعم بإعفاءات ضريبية وبامتيازاتٍ احتكارية، ما يحرم القطاع الخاص الفعلي من التنافس العادل. فكيف يمكن دعوة الناس إلى الاستثمار في ظلّ قبضةٍ حديدية لا تسمح إلا للمقرّبين من السلطة بمراكمة الأرباح؟
ويبدو أنّ غاية هذه التصريحات ليست دعوةً حقيقية إلى المساهمة بقدر ما هي محاولة للهروب من المساءلة؛ إذ يُسارع خامنئي إلى وضع الكرة في ملعب الشعب والحكومة، متجاهلًا دور السياسات العامّة للنظام في وصول الاقتصاد الإيراني إلى شفا الانهيار. فلولا الفساد والنهب المنهجي، إلى جانب الإنفاق الضخم على أجهزة القمع والمشاريع النووية وبرامج أسلحة الدمار الشامل والقوى الوكيلة، لما وصل الاقتصاد الإيراني إلى هذه المرحلة من الإفلاس. ورغم ذلك، يخلو الخطاب النوروزي من أيّ إشارة إلى هذه الجهات الكبرى التي التهمت ثروات الإيرانيين، في حين يُلقى باللوم على الشعب وكأنّه مقصّرٌ عن أداء واجبه.
«قبل أن نسمع دويّ الانفجار…»
وعن الوضع الاقتصادي الإيراني الواقع تحت هيمنة النظام، يقول الخبير فرشاد مؤمني:
«في ظلّ هذه الأوضاع، فقدت الكلمات معناها تمامًا، وغدا أشدّ صور اللاتوازن، التي تهدّد وجود المجتمع، تُقدَّم في هيئة أرقامٍ بسيطة. على سبيل المثال، نحن نمرّ الآن بأزمة حادّة وهشّة في مجال الطاقة، يمكنها أن تضرب ما تبقّى من النظام الوطني، لكنّهم يكتفون بوصفها “خللًا في التوازن”! وكأنّ الأمر لا يتجاوز العمليات الحسابية الأربع، متجاهلين أنّه ملفٌ عميقٌ مُعقّدٌ ومتعدّد الأبعاد».
ويضيف: «تُشير التقارير الرسميّة المنشورة كلّها إلى أنّ هذه الأوضاع بلغت نهايتها، وعلى المثقّفين والأكاديميين والنظام الحاكم التحلّي بالحكمة والإدراك المسبق قبل أن نسمع دويّ الانفجار».
لقد أكّدت التجارب السابقة أنّ مثل هذه الشعارات السنويّة، في غياب إصلاحات بنيويّة ودعمٍ عملي، لا تعدو كونها تكرارًا لوعودٍ جوفاء. ولم يحمل كلام خامنئي في عيد النوروز تباشير تغييرٍ حقيقي، بل عكس استمرار السياسات التي دفعت بالبلاد إلى حافّة الهاوية.
- أزمة المياه تضرب مشهد: جفاف السدود يفضح فساد النظام الإيراني ومشاريع الحرس التدميرية
- التضخم يبتلع موائد الإيرانيين مسجلاً 62.2%.. اقتصاد في حالة سقوط حر
- الانهيار الاقتصادي ودماء شهداء الإنتفاضة يدفعان النظام الإيراني نحو الهاوية
- صحيفة دير ستاندرد تفضح الإمبراطورية المالية لـ مجتبى خامنئي في قلب أوروبا
- بزشكيان يعترف بـ الانهيار الوشيك.. قلب النظام ينبض بصعوبة وأي ضغط إضافي سيفجره
- اعترافات في برلمان النظام : عرقلة تفتيش الطاقة الذرية، خط الفقر يقفز لـ 50 مليون تومان، وآلاف الوفيات بسبب التلوث







