التهديد المتزايد للسكن غير الآمن في إيران
أصبح السكن غير الآمن تهديدًا خطيرًا يطال ملايين الإيرانيين، لا سيما أولئك الذين يعيشون في المناطق الحضرية المتدهورة والمستوطنات العشوائية على أطراف المدن. تفتقر هذه المساكن إلى السلامة الهيكلية، ما يجعلها عرضة للزلازل والفيضانات والكوارث الطبيعية الأخرى. ورغم التحذيرات المتكررة من الخبراء، فإن عمليات الترميم وإعادة الإعمار تواجه تأخيرات مستمرة، مما يزيد من تفاقم الأزمة.
ويُعزى انتشار المساكن غير الآمنة في إيران إلى عدة عوامل رئيسية، أبرزها البناء الرديء. إذ يتم تشييد العديد من المباني دون الالتزام بالمعايير الهندسية، وغالبًا ما تُستخدم مواد منخفضة الجودة مع غياب الرقابة الكافية. وتنتشر هذه الظاهرة بشكل خاص في المناطق ذات الكثافة السكانية العالية، حيث يسود البناء العشوائي وغير المرخص.
وإضافة إلى ذلك، يُشكل تقادم البنية التحتية أزمة كبرى. فالعديد من المباني في مدن مثل طهران ومشهد وتبريز يتجاوز عمرها 40 عامًا ولم تخضع لأي عمليات تدعيم. ومع مرور الزمن، أصبحت هذه الهياكل ضعيفة وغير قادرة على مقاومة حتى الزلازل المتوسطة. ويُحذر الخبراء من أن زلزالًا بسيطًا قد يؤدي إلى دمار واسع في هذه المناطق.
كما تلعب الأزمة الاقتصادية دورًا حاسمًا في انتشار السكن غير الآمن. إذ لا تستطيع العديد من الأسر ذات الدخل المحدود شراء أو استئجار مساكن تتوافق مع معايير السلامة، ما يضطرها للعيش في منازل متداعية أو في مستوطنات غير رسمية تفتقر إلى البنية التحتية والخدمات الأساسية. وفي هذه البيئات، تتدهور المباني بسرعة، مما يجعلها أماكن سكنية خطيرة.

ولم تُظهر السلطات الإيرانية فعالية في معالجة هذه الأزمة، إذ تسير مشاريع الترميم وإعادة الإعمار ببطء شديد مع تخصيص تمويل غير كافٍ لهذا القطاع. وتعاني برامج التجديد الحضري من التوقف المستمر نتيجة البيروقراطية وضعف الموارد المالية والتدخلات السياسية.
وقد فاقم الفساد المستشري في قطاع الإسكان الوضع سوءًا، حيث يتم تنفيذ بعض مشاريع الترميم بشكل انتقائي لصالح فئة محدودة، بينما يُترك معظم السكان دون حلول حقيقية. كما أن ضعف تطبيق قوانين البناء سمح بظهور مجمعات سكنية جديدة تفتقر لمعايير السلامة، حيث حصلت بعض المباني على تصاريح سكنية رغم افتقارها لاعتمادات فنية، مما يعرّض السكان لمخاطر جسيمة.
وكان انهيار مبنى “متروبول” في آبادان مثالًا مأساويًا على العواقب الكارثية لهذا الإهمال. فقد كشف هذا الحادث عن خطورة البناء غير الآمن وتقصير السلطات في فرض معايير السلامة. ورغم الغضب الشعبي الذي أثاره، لم يتم اتخاذ إصلاحات جذرية لمنع تكرار مثل هذه الكوارث مستقبلاً.
يعيش حاليًا نحو 19 مليون شخص في إيران في مساكن غير آمنة، تنتشر على مساحة 170 ألف هكتار من المناطق الحضرية المتدهورة والعشوائية. ووفقًا لعبد الرضا كلپائکاني، نائب وزير الطرق والتنمية العمرانية والمدير التنفيذي لشركة التجديد الحضري، فإن جميع هذه المساكن تقع داخل المدن وتفتقر إلى الهيكلية اللازمة لمقاومة الزلازل حتى المعتدلة منها بقوة 4 إلى 5 درجات.
ومن أهم مؤشرات المساكن غير الآمنة هو غياب الإطار الهيكلي المتين. ووفقًا لمركز الإحصاء الإيراني، تُصنّف المباني التي تفتقر إلى هيكل صلب ضمن الفئة الأكثر خطورة وعرضة للانهيار عند وقوع زلزال. ورغم الوعود الحكومية المتكررة بمعالجة المشكلة، فإن التنفيذ كان بطيئًا للغاية. ففي إطار “حركة الإسكان الوطني”، وهي مبادرة متبقية من عهد إبراهيم رئيسي، كان من المفترض تجديد 100 ألف وحدة سكنية متدهورة سنويًا. إلا أنه حتى الآن، تم توزيع أقل من 2% من القروض المخصصة لهذا المشروع، مما أدى إلى تعطيل الجهود الرامية لتحسين أوضاع السكن.
وتضم إيران حاليًا 5.7 مليون وحدة سكنية تقع في مناطق حضرية متدهورة، من بينها 2.7 مليون وحدة تحتاج إلى تدعيم عاجل. ولا تقتصر المخاطر على السلامة فقط، بل تشمل أيضًا تدني مستوى الخدمات الحضرية في هذه المناطق. حيث أن متوسط نصيب الفرد من الخدمات الأساسية في هذه الأحياء أقل بكثير من المعايير الوطنية، ومع ذلك لم تُنفذ أي خطط ملموسة لسد هذه الفجوة.
إلى جانب المخاطر الهيكلية، تعاني المساكن المتدهورة من أزمات حادة في البنية التحتية والخدمات العامة. فقد أدى سوء التخطيط، وغياب الإشراف، ونقص المرافق الأساسية إلى تفاقم المشكلة، مما جعل حياة السكان أكثر صعوبة.
ولمعالجة أزمة السكن غير الآمن، لا بد من تبني استراتيجية شاملة تشمل الدعم المالي، والتخطيط الحضري المحسن، وتطبيق أكثر صرامة للوائح البناء. لكن بطء تخصيص الموارد وضعف تنفيذ البرامج الحالية أبطأ وتيرة الإصلاحات. وقد أثبتت الكوارث السابقة، بما فيها الزلازل المدمرة، أن عدم التحرك في الوقت المناسب ستكون له عواقب وخيمة.
لمنع المزيد من الأزمات الإنسانية، يجب على الحكومة إعطاء الأولوية لإعادة بناء وترميم الوحدات السكنية الهشة، وزيادة مشاركة القطاع الخاص، وتشديد الرقابة على معايير سلامة المباني. إن التقاعس عن اتخاذ إجراءات جادة لن يعرض حياة الملايين للخطر فحسب، بل سيؤدي أيضًا إلى تفاقم أزمة السكن والإدارة الحضرية في البلاد.
في الوقت الذي يعيش فيه ملايين الإيرانيين في منازل غير آمنة ومتهالكة، معرضين لخطر الزلازل والكوارث في أي لحظة، ينفق النظام الإيراني مليارات الدولارات على مشاريع البناء والإسكان في دول أخرى تحت ذريعة “المساعدات” والتوسع الإقليمي. ففي لبنان وسوريا والعراق واليمن، يخصص النظام أموالًا طائلة لإنشاء مساكن وبنية تحتية تخدم أجنداته السياسية والعسكرية، بينما يعاني المواطنون داخل إيران من انهيار مشاريع الترميم وإعادة الإعمار بسبب الفساد وسوء الإدارة ونقص التمويل. ونتيجة لذلك، يبقى ملايين الإيرانيين محرومين من حقهم في السكن الآمن، بينما تستمر أولويات النظام في خدمة مصالحه الخارجية على حساب معاناة شعبه.
- أزمة المياه تضرب مشهد: جفاف السدود يفضح فساد النظام الإيراني ومشاريع الحرس التدميرية
- التضخم يبتلع موائد الإيرانيين مسجلاً 62.2%.. اقتصاد في حالة سقوط حر
- الانهيار الاقتصادي ودماء شهداء الإنتفاضة يدفعان النظام الإيراني نحو الهاوية
- صحيفة دير ستاندرد تفضح الإمبراطورية المالية لـ مجتبى خامنئي في قلب أوروبا
- بزشكيان يعترف بـ الانهيار الوشيك.. قلب النظام ينبض بصعوبة وأي ضغط إضافي سيفجره
- اعترافات في برلمان النظام : عرقلة تفتيش الطاقة الذرية، خط الفقر يقفز لـ 50 مليون تومان، وآلاف الوفيات بسبب التلوث







