زيادة الإنفاق العسكري في إيران: تشابهات تاريخية وتداعيات اقتصادية
القرار الأخير لبرلمان النظام الإيراني بزيادة ميزانية القوات العسكرية بنسبة 200%، كما أعلنت المتحدثة باسم حكومة ، يبرز أوجه تشابه لافتة مع النهج العسكري للنظام النازي في ألمانيا قبل الحرب العالمية الثانية. هذه الزيادة تعني ثلاثة أضعاف النفقات العسكرية، وهو ما يرى المنتقدون أنه يخدم سيطرة النظام السياسية أكثر مما يخدم الدفاع الوطني. ويشير الخبير الاقتصادي أحمد علوي إلى أن ميزانية العام 1404 (التي تبدأ في مارس 2025) تعكس تخصيص الموارد الوطنية لصالح النخبة السياسية والاقتصادية المرتبطة بالنظام، وليس لتعزيز التنمية الوطنية. ويشير علوي إلى أن هذا التوجه يصب في مصلحة مجموعات معينة قريبة من النظام، مما يخلق نظامًا أوليغارشيًا يتوجه فيه المال نحو تعزيز السيطرة السياسية والعسكرية.
وقد تناول المؤرخ بيير آنجل هذه الاستراتيجية في سياق ألمانيا النازية وأولوياتها العسكرية. ففي مقاله “هتلر والألمان” (1982)، أشار آنجل إلى أن السياسات التي اتبعها هتلر مهدت الطريق لتحضير ألمانيا للحرب في فترة زمنية لا تتجاوز أربع سنوات. ويذكر أن هتلر قال: “الجيش الألماني لديه أربع سنوات ليكون جاهزًا، وخلال هذه الفترة يجب أيضًا إعداد الاقتصاد الألماني لدعم المجهود الحربي”. وقد أدى هذا النهج إلى زيادة هائلة في الإنفاق العسكري، حيث خصصت ألمانيا حوالي 90 مليار رايخ مارك بحلول عام 1939، وهو ما يعادل تقريباً الميزانيات العسكرية المجمعة للقوى الغربية الكبرى. وخلال تلك الفترة، كان هيرمان غورينغ، أحد أقرب داعمي هتلر، يحث الألمان على تحمل القيود الاقتصادية، مروجًا لشعار “المدافع بدلاً من الزبدة”. وبالمثل، أعلن غوبلز، وزير الدعاية النازية، أن تأمين المواد العسكرية يأتي على حساب توفير الغذاء.
وفي إيران، يبدو أن ميزانية الحكومة الحالية تتبع هذا التوجه نفسه. فقد أفادت تقارير مركز البيانات المفتوحة الإيراني في 27 سبتمبر 2024 أن الميزانية المخصصة للقوات العسكرية والأمنية، بما في ذلك وزارة الدفاع، والجيش، وحرس النظام، وقوى الأمن الداخلي، قد وصلت هذا العام إلى 722 ألف مليار تومان. هذا المبلغ يمثل زيادة ملحوظة عن 525 ألف مليار تومان التي تم تخصيصها في العام المالي السابق، حيث يتم تخصيص جزء كبير من هذه الأموال من عائدات النفط، مع تخصيص 137 ألف مليار تومان للقوات العسكرية بهدف “تعزيز القدرات الدفاعية” وفقًا للبند ب من المادة الرابعة في قانون الميزانية. كما تم تخصيص 1.8 مليار يورو لمشروعات عسكرية خاصة لا تزال تفاصيلها غير معلنة.
ولم يكن لألمانيا النازية، لحسن الحظ، وصول مباشر إلى موارد نفطية هائلة، مما قيد قدرتها على مواصلة الإنفاق العسكري. أما النظام الإيراني، فيستغل ثروة البلاد النفطية لتمويل التوسع العسكري والحفاظ على نفوذه الإقليمي. ووفقًا للبند الأول من المادة الثالثة من مسودة ميزانية عام 1404، سيتم تخصيص 561 ألف مليار تومان من عائدات صادرات النفط والغاز لدعم الإنفاق العسكري، وهذا الرقم يعادل أربعة أضعاف المخصصات المالية التي تم توفيرها في ميزانية عام 1404. كما تم تخصيص 126 ألف مليار تومان أخرى لمشروعات مختلفة خاصة، يُرجح أنها ستفيد المؤسسات العسكرية والأمنية التابعة للنظام.
ويبرز هذا التوجه نحو تفضيل الإنفاق العسكري على التنمية الاقتصادية والاجتماعية كونه على خلاف مع منهج المؤسسات الشاملة التي تهدف إلى تعزيز النمو الاقتصادي العام. ويوضح علوي أن توجه الحكومة الإيرانية يتماشى مع مفهوم المؤسسات الاستغلالية كما وصفه الاقتصاديان الحائزان على جائزة نوبل دارون عجم أوغلو وجيمس روبنسون.
وتشير نظريتهما حول اقتصاديات الدول المزدوجة إلى أن بعض المجتمعات تنقسم بين مؤسسات شاملة وأخرى استغلالية. في إيران، تسيطر المؤسسات الاستغلالية، التي يديرها نخبة من المتنفذين، على الموارد الوطنية لتحقيق مكاسب سياسية وشخصية، بدلاً من استخدامها لصالح الجمهور. وتتمثل هذه المؤسسات في مؤسسات ضخمة مثل هيئة تنفيذ أمر الإمام، ومؤسسة المستضعفين، ومؤسسة آستان قدس رضوي، والتي تعفى من الضرائب وتحظى بتمويل ضخم من الميزانية العامة. وتستخدم هذه الأموال لأغراض تجارية وسياسية ودينية دون تقديم منفعة اقتصادية ملموسة للمجتمع، مما يزيد من حدة التفاوت الاقتصادي ويعمق المشكلات الاقتصادية.
علاوة على ذلك، تتلقى منظمات عسكرية وشبه عسكرية مثل الحرس والباسيج تمويلات ضخمة ضمن الميزانية. ويشير مراقبون خارجيون إلى أن الإنفاق العسكري في إيران كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي يتجاوز الإنفاق العسكري لدول مثل ألمانيا والصين وفرنسا واليابان.
ووفقاً لتقديرات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI)، بلغت الميزانية العسكرية لإيران حوالي 10.3 مليار دولار في عام 2023، حيث ارتفعت حصة الحرس من 27% في عام 2019 إلى 37% في عام 2023. وتبرز هذه التخصيصات مدى التزام النظام الإيراني بتمويل قواته بالوكالة في المنطقة، مثل حزب الله وجماعة الحوثيين في اليمن.

ورغم التحديات الاقتصادية الشديدة وارتفاع معدلات الفقر، اختارت قيادة النظام الإيراني، مسارًا يركز على التوسع العسكري. وقد دافع رئيسي عن الميزانية بقوله إن الأموال ستستخدم “للحفاظ على قوة وسيادة الأمة”، وألمح إلى أن الحكومة ستلجأ إلى احتياطاتها لمواجهة العجز في الميزانية عند الضرورة. إلا أن تصاعد الضغوط الاقتصادية دفع بالخبراء إلى توقع ارتفاع التضخم وزيادة حدة الفقر، ما قد يؤدي إلى تصاعد الاضطرابات الشعبية. ويثير إعادة تخصيص عائدات النفط للإنفاق العسكري مخاوف بشأن الاستقرار الاقتصادي على المدى الطويل، ويعكس اهتمام النظام بالبقاء على حساب رفاهية الشعب، وهو توجه مشابه للسياسات التي اتبعتها ألمانيا النازية في السنوات التي سبقت الحرب العالمية الثانية.
- أزمة المياه تضرب مشهد: جفاف السدود يفضح فساد النظام الإيراني ومشاريع الحرس التدميرية
- التضخم يبتلع موائد الإيرانيين مسجلاً 62.2%.. اقتصاد في حالة سقوط حر
- الانهيار الاقتصادي ودماء شهداء الإنتفاضة يدفعان النظام الإيراني نحو الهاوية
- صحيفة دير ستاندرد تفضح الإمبراطورية المالية لـ مجتبى خامنئي في قلب أوروبا





