اللارجعة وحتمية استمرار الثورة
عاد استخدام مصطلح “الثورة” في الثقافة العامة للشعب؛ نتيجة لاستمرار انتفاضة الشعب الإيراني الوطنية. وتعتقد مجموعات كبيرة الآن أنه يجب استخدام كلمة “الثورة” في وصف الوضع الحالي في إيران.
ويعبِّر هذا المفهوم عن اللارجعة، أي أن الوضع قد وصل إلى نقطة لم يعد من الممكن فيها تصور العودة إلى الخلف. ولم يعد من الممكن في ظل هذه الأجواء الحديثة عن تنميق نظام الملالي وإصلاحه وتجميله، وأنت لا تصبح معزولًا ومنبوذًا.
فلا أحد يؤمن ببقاء سلطة الملالي القروسطية سوى الأقارب المقربين لدائرة هذه السلطة وجلاوزته. إذ يدور الاتجاه والتصور العام حول أنه لا محالة من سقوط هذه السلطة القروسطية والإطاحة بها إذا تمادت في ضغطها على المواطنين بهذا الأسلوب.
كتبت حنا أرندت في كتاب “الثورة”: «كان التاريخ هو ليلة الرابع عشر من تموز/ يوليو 1789 في باريس حين سمع لويس السادس عشر من رسوله ليانكورت بسقوط الباستيل وتحرير بضعة سجناء منه، وتمرد القوات الملكية قبل وقوع هجوم شعبي.
إن الحوار المشهور الذي جرى بين الملك ورسوله كان قصيرا جدا. يقال إن الملك صاح قائلا “إنه تمرد”، فصحححه رسوله ليانكورت قائلا: “كل يا صاحب الجلالة، إنها ثورة” ».
تُسلط أرندت الضوء في هذا الكتاب على أن الملك كان لديه وسائل متعددة لقمع هذه المؤامرة والتمرد، إلا أن ليانكورت قال إن ما حدث لا جدال فيه ولا عودة، وخارج عن نطاق سلطة الملك.
تبدو الإجابة بسيطة من الوهلة الأولى. ولا يزال بإمكاننا أن نرى ونسمع فيما وراء هذه الكلمات كيف انطلقت جماهير الشعب وتدفقت في شوارع باريس، وهي مدينة لم تكن آنذاك عاصمة فرنسا فحسب، بل كانت عاصمة العالم المتحضر بأسره، وكان سكانها مثل سكان كافة المدن الكبرى يعتبرون انتفاضتها انتفاضة من أجل نيل الحرية. والجمع بين الاثنين لا يُقاوَم لمجرد الاعتماد على القوة العددية.
وفي الواقع كان هذا الحشد الكبير الذي ظهر لأول مرة في وضْح النهار هو نفس جماعة الفقراء والمسحوقين الذين اختبأوا عن الأنظار عائشة في الظلام والإذلال طوال القرون الماضية. (المصدر نفسه).
كان ما رآه ليانكورت مشابهًا لما رآه محمدرضا بهلوي عندما مر بالطائرة الهليكوبتر فوق حشد من المتظاهرين عام 1978 وأدرك أن “الثورة” قد اندلعت بالفعل، وأنه لم يعد هناك أي فرصة لاستمرار حكمه.
إذا لم نضع هذا المفهوم بعين الاعتبار في تحليل الظروف السياسية، فإننا سندفع الثمن غاليًا جرَّاء قدرة الحكومة على القمع والتغلب على هذه الظروف. وعلى الجانب الآخر، لن نتمكن من وضع القوة العظمى للتغيير، والرغبة في الحرية، وثورة الشعب الإيراني الجديدة في مكانها الحقيقي.
وسنكون دائما متأخرين عن التطورات بخطوة نوعية. والحقيقة هي أن هذا الوضع أشبه برصاصة تخرج من فوهة البندقية. وقد يكون من شأن العوامل الباليستية أن تؤثر بشكل طفيف على منحنى مسارها، بيد أنهم لا يستطيعون إعادة الرصاصة إلى الأنبوب أو تحويل البارود والفتيل إلى مكوناته.
إن الهدف النهائي لهذه الرصاصة هو الوصول إلى النقطة التي تم استهدافها مسبقًا وحتمية التصادم. وهذه هي “اللاعودة” في هذه العملية.
تفيد البيانات بأننا نواجه ثورة شاملة. ثورةٌ لا شك في حتمية اندلاعها، واحتوائها خارج عن نطاق سلطة خامنئي وجهازه القمعي.

