728 x 90

نظام الملالي والبهلوانية في مأزق القمع

نظام الملالي والبهلوانية في مأزق القمع
نظام الملالي والبهلوانية في مأزق القمع

شهدنا في اليوم أو اليومين الماضيين تراجعات مهمة ذات مغزى في مجال القمع من جانب نظام الملالي، ومن بينها ما يلي:

بعد ظهور موجة من الكراهية الاجتماعية والدولية بسبب إهانة الشباب في المدينة بالضرب والسب والتعذيب العلني، حاول الجلاد إبراهيم رئيسي الذي لديه يميك برأس خيط هذه الجرائم مرعوبًا في رد فعله بناءً على أوامر خامنئي، إلقاء اللوم على الضباط وأعلن أنه أمر النائب العام بالتصدي للمخالفين بمن فيهم الضباط والمحققين.

وفي تناقض فاضح، يرى في تأكيده على ضرورة التصدي للبلطجية بحسم وعنف أن حكم التشهير (تشويه السمعة اجتماعيًا) يقع ضمن اختصاص المحكمة فقط في إطار القوانين واللوائح وأن التعرض للمتهم حتى لوكان من البلطجية غير مسموح به على الإطلاق.

وعلى الرغم من هذا الدجل، قال الحرسي رحيمي، قائد شرطة طهران الكبرى، بعد موجة ردود الفعل الاجتماعية على التعذيب البشع في الشوارع : " إن الشرطة قامت بهذه الإجراءات تنفيذًا لأمر السلطة القضائية وليس بإرادتها ".

وبطبيعة الحال، قال في قصة مفبركة لتبرير التغطرس بالضرب والسب للرأي العام: "إن تصرف الضابط المعني كان رد فعل وغير مقبول وكان يجب عليه أن يتحلي بسعة الصدر". وما هو مهم في هذا الأمر ليس دجل نظام الملالي، بل هو اضطراره إلى التراجع.

تراجع وزير التربية والتعليم

وفي تراجع آخر، اضطر وزير التربية والتعليم إلى سحب شكواه ضد المعلم، حيث أنه في أعقاب إدانة أحد المعلمين الذي رسم كاريكاتيرًا نقديًا ليسخر من الوزير المذكور، وتم نشره في وسائل التواصل الاجتماعي، رفع الوزير ومساعده دعوى قضائية ضد هذا المعلم، وبناءً على هذه الدعوى حكمت محكمة الجنايات على هذا المعلم بالجلد 45 جلدة.

وأثار هذا الحكم القروسطي موجة عارمة من غضب وكراهية أبناء الوطن، ولاسيما المعلمين والمثقفين، وأعلن العديد منهم التطوع لتلقي الجلدات بدلًا من المعلم.

وسحب وزير التربية والتعليم شكواه كما ذكرنا، نظرًا لأنه حتى الصحف ووسائل الإعلام الحكومية كان لها رد فعل على الإجراء المستأسد للوزير المذكور متأثرة بالمناخ الاجتماعي.

خاصة وأن هذا الأمر تزامن مع انتحار طالب يبلغ من العمر 11 عامًا في مدينة دير بمحافظة بوشهر بسبب حرمانه من الهاتف المحمول لمتابعة دروسه وعدم اهتمام وزارة التربية والتعليم بهذا الموضوع.

وتشير ردود الفعل الاجتماعية الواسعة النطاق وما تبعها من تراجعات؛ بوضوح إلى ذعر نظام الملالي. فنظام ولاية الفقيه في حاجة ماسة إلى تعذيب وقمع الساخطين والمحتجين من خلال استعراض العضلات في الشوارع أو ترويعهم بإصدار الأحكام القروسطية التعسفية المتمثلة في الجلد وبتر اليد وما شابه ذلك، من ناحية.

بيد أنه يبادر بالتراجع عندما يواجه ردود فعل اجتماعية على ممارساته البربرية خوفًا من عواقبها، من ناحية أخرى. ويشير هذا السلوك المتناقض والممارسات المتأرجحة إلى مأزق نظام الملالي في ممارسة القمع وتضييق الخناق، ولا شك في أن هذا الأمر يُظهر للمجتمع مدى ضعف هذا النظام الفاشي.

نظام الملالي في صراع بين أمرين مرعبين

والجدير بالذكر أن هذه ليست المرة الأولى التي يضطر فيها الولي الفقيه إلى مثل هذه التراجعات، بيد أننا يمكننا أن ندرك بقليل من الدقة أن معظم هذه التراجعات قد حدثت بعد انتفاضة نوفمبر 2019، التي نتج عنها توازن جديد في القوى بين الشعب ونظام الحكم.

حيث شهد فيها نظام الملالي مدى شراسة العمل البطولي لمجاهدي خلق ومعاقل الانتفاضة ورأي بأم عينيه أنه جالس على فوهة بركان.

ونظرًا لانتقال الخوف من معسكر الشعب إلى معسكر الحكام، فإن هذا الخوف هو الخوف من الانتفاضة على وجه التحديد، حسبما ذكرت صحيفة "لوموند" الفرنسية. ومن المفارقات أن نظام الملالي في حاجة ماسة إلى ترويع أبناء الوطن ليحول دون اندلاع الانتفاضة حسب ظنه.

ولهذا السبب يشعر بالحاجة الشديدة للإعدام (باعتباره أشد أشكال القمع)، وعلى وجه التحديد إعدام الثوار، بيد أنه عندما يواجه بغضب واحتجاج أبناء الوطن يبادر بالتراجع فورًا خشية أن يتحول هذ الغضب إلى شرارة ومن ثم إلى انتفاضة.

والمثال الواضح على ذلك هو تراجع النظام الفاشي عن الحكم بالإعدام على 3 شباب منتفضين في شهر يوليو الماضي عندما انطلقت حملة في هاشتاج "كفوا عن الإعدام#" بمشاركة اكثر من 12,000,000 شخصًا في ترند عالمي.

ووجد نظام الملالي نفسه يواجه غضبًا واشمئزازًا عالميًا منطويًا على أبعاد غير مسبوقة ولم يجد أمامه أي خيار سوى التراجع.

وعلى الرغم من أن نظام الملالي اللاإنساني حاول لاحقًا إعادة المياه إلى مجاريها بترويع الشعب بالإعدام الإجرامي لمصطفى صالحي ونويد أفكاري

إلا أن هذين الإعدامين تحولا قضاءً وقدرًا إلى ضربات ساحقة على رأس نظام الملالي، وواجه الولي الفقيه الذي كان يريد بهذين الإعدامين ترميم جدار الترويع والكبت المتصدع نتيجة عكسية، حيث ازدادت الحماسة والرغبة في القتال بين صفوف الشباب الثائر بشكل غير مسبوق.

والنتيجة هي أن نظام الملالي متأرجع بين الحفاظ على الأمن من خلال القمع من جهة والتراجع خوفًا من خطر الانتفاضة من جهة أخرى.

وأحيانًا ينزلق في هذا الجانب وأحيانًا في ذاك، ويصبح في كلا الحالتين أكثر ضعفًا وهشاشةً. وفي المقابل يصبح الشعب والثوار أقوى وأكثر ثقة في قوتهم في كل صراع.

وفي النهاية، لن تكون نتيجة هذا الصراع شيئًا آخر سوى إصدار حكم التاريخ الحتمي، ألا وهو سقوط الديكتاتورية، ونيل الحرية وتحرير الشعب الثائر.