728 x 90

إعدام نويد أفكاري، استهداف للذات لا مفر منه لنظام الملالي

إعدام نويد أفكاري، استهداف للذات لا مفر منه لنظام الملالي
إعدام نويد أفكاري، استهداف للذات لا مفر منه لنظام الملالي

اتضحت الآثار والعواقب السياسية والاجتماعية لإعدام بطل المصارعة الإیراني، نوید أفکاري، وأحاطت نظام الملالي المتأزم من کل صوب علی شاکلة زوبعة هائجة.

وقد استدعی نظام الملالي السفير الألماني علی خلفیة التغريدات الأخيرة للسفارة الألمانية بطهران والتي انتقدت إعدام نوید أفکاري في إطار موجة الغضب الدولیة المنددة بعملیة إعدام المصارع الشاب. وبحسب وكالة الأنباء الرسمية للنظام الإیراني، أدانت وزارة خارجية النظام تصرف السفير الألماني بشدة واعتبرته خارجاً عن المعاییر الدبلوماسية ویمثل تدخلاً في الشؤون الداخلیة للبلاد.

وکانت السفارة الألمانية قد نددت بإعدام نوید أفکاري وغردت: «من غير المقبول تجاهل الحقوق القانونية من أجل إسكات الأصوات المعارضة. لا يزال شقيقا نويد في السجن ویحتاجان الآن إلى تضامننا».

مظهر واضح من مظاهر الفشل الدبلوماسي السياسي

ومن المثير للاهتمام أنه في نفس اليوم (الاثنين 14 سبتمبر 2020)، كان من المقرر أن يسافر ظريف، وزیر الخارجیة الإیراني، إلى ألمانيا لبدء جولته الأوروبية من برلين لمواجهة العزلة الخانقة للنظام والتحدث أمام مجلس العلاقات الخارجية (الذي تهيمن عليه جماعات الضغط التابعة للنظام)، ومن هناك يسافر إلى أربع عواصم أوروبية أخری، هي باريس ولندن وروما ومدريد، ثم یواصل رحلته إلى عدة دول آسيوية وإفريقية، لكن الرحلة ألغیت والآمال الدبلوماسیة للنظام تبددت بفعل الزوبعة التي أثارها إعدام نوید أفکاري وتفادیاً للأسئلة المتعلقة بهذه القضیة.

لم تکن ألمانيا الدولة الوحيدة التي أدانت إعدام البطل نويد أفکاري. فقد أدانت وزارة الخارجية الفرنسية هذه الجريمة غیر الإنسانیة، وأعلن المتحدث باسم الاتحاد الأوروبي عن إدانة الاتحاد لهذه الجریمة. ومازلت سلسلة الإدانات الدولیة تتواصل وتتسع لتضم البرلمانيين والحائزين على جائزة نوبل وأبطال الرياضة والنقابات والمنظمات الرياضية في مختلف الدول.

خلال العقود الأربعة الماضیة من عمر نظام الملالي الکهنوتي، والتي ارتبط كل يوم منها بجرائم وفظائع ضد الإنسانية، لم یسبق أن أثارت عملیة إعدام نفذها النظام، الذي حطم الرقم القیاسي في تنفیذ الإعدامات، حملة إدانة واسعة النطاق تشبه التي أثیرت بشأن إعدام نوید أفکاري.

لدرجة أن بعض الأطراف في النظام قد احتجت على توقیت تنفیذ حکم الإعدام علی خلفیة العزلة الدولیة التي یعاني منها النظام والمواقف الدولیة الحاسمة إزائه، وقالت تلك الأطراف أنه کان من الممکن تأجیل الإعدام إلی وقت مناسب آخر.

يمكننا رصد هذه الهمسات الاحتجاجية المتصاعدة داخل النظام، من خلال ما ذکرته صحيفة "همدلي" الحكومية في 15 سبتمبر 2020، والتي كتبت بحرقة کبیرة إثر إلغاء رحلة ظريف إلى أوروبا بسبب المناخ السياسي الناتج عن إعدام نوید أفكاري:

«لعله من الممکن مقارنة التصور الغربي عن إعدام نويد أفكاري بهجوم المتطرفين على السفارة السعودية. الضرر الناتج عن ذلك الهجوم لا يضاهي أي ضرر آخر».

وکتبت الصحیفة حول أسباب إلغاء رحلة وزیر الخارجیة: «من جهة، يجب استجواب الوفد الإيراني باستمرار من قبل وسائل الإعلام الأوروبية حول تنفيذ الحکم المذكور، ومن جهة أخرى، يجب أن یرد القادة الأوروبيين علی الأسئلة المتعلقة بأسباب زيارة ظريف لبلدهم».

اعترافات أحد جلادي النظام

شهدت موجة الغضب الدولیة المنددة بإعدام نوید أفکاري، أبعاداً واسعة وطیفاً متنوعاً من المحتجین بالإضافة إلی استخدام نوع جدید من الأدبيات والعبارات تتجاوز إلى حد كبير المعاییر الدبلوماسية المعتادة، لدرجة أن جلاد یُدعی علي باقري، نائب رئیس مکتب الشؤون الدولیة بوزارة العدل الإیرانیة، قد علّق علی هذا الأمر بانفعال وغضب ویأس قائلاً:

«أنا أحث بعض السفارات الغربية في طهران والتي تتدخل في شؤوننا الداخلية، علی الالتزام بالمعاییر الدبلوماسية على الأقل إذا کانت لا تعرف شیئاً عن العدل والإنصاف، وعدم نشر الأکاذیب مثلما تفعل الجماعة المعارضة».

ببساطة هو یقصد أنكم (الدول الأجنبیة) إذا أردتم إدانتنا، فلا تدينوننا بثقافة وأدبیات مجاهدي خلق علی الأقل! تصریحات باقري الجلاد هي اعتراف صریح بحقيقة أن ما يقوله مجاهدو خلق في وصف ملالي نظام ولایة الفقیة المعادي للبشریة صحيح ومطابق للواقع تماماً ویحظی بقبول دولي.

وفي جزء آخر من تصريحاته، أعرب هذا الجلاد عن عجزه تجاه الأشرفیین وأنصار مجاهدي خلق الذين رفعوا صرخات شعبهم المکبوتة من خلال حملة التقاضي لدم البطل نوید أفکاري التي دشنوها في 16 دولة حول العالم، وقال: «لیس من المستبعد أن یهتف المسؤولون عن اغتيال 17000 شخص، بشعار "أیها القاتل سیستمر طريقك" في العواصم الأوروبية. لكن العجیب هو لماذا يسمح الأوروبيون للإرهابيين بالعمل بحرية وبدعم القتل والاغتیال تحت ستار حقوق الإنسان؟»!

هذه العبارات الغاصة بالتأوه والتنهد ما هي إلا اعتراف واضح وصریح بالهزيمة المشينة التي مُني بها النظام في هذه الحملة. أراد النظام الثأر لمقتل أحد عناصره خلال انتفاضة شيراز من شاب ثوري، وإجباره على الاعتراف بالقتل عن طريق التعذيب، ومن ثم إعدامه باعتباره قاتل من أجل ترهیب الثوار والمتظاهرین من جهة، وتعزیز معنویات قواته المنهارة والمذعوة من الغضب الشعبي العارم والمضطرم من جهة أخری.

لكنه فوجئ بوضع الشخص، الذي خطط لإظهاره علی هیئة قاتل، في سیاق مغایر أصبح فیه بطلاً قومياً للانتفاضة. نعم، الشاب الذي كان يتطلع إلى اعتلاء منصات التتويج الرياضیة، أصبح بطلاً قومیاً في سیاق النضال وتحت وطأة التعذیب والضرب المبرح وفي ظل حبل المشنقة، بطل تشهد كلماته على هذا التغيير التطوري.

في رسالته الأخيرة، ذكر نويد بوضوح كل هذه "الصيرورة" ويقول: "أنا سعيد اليوم. لأنه دارت الدنيا مرة أخرى وتعلمت المثل الحقيقية للإنسانية منكم أيها الأناس الأفذاذ. المثل الأعلى التي هي أغلى بالنسبة لي بكثير من منصات المصارعة العالمية."

المصير والطريق الذي قطعه نويد هو القدر والطريق أمام جيل منتفض بوجه النظام ومتعطش للحرية. جيل تسمع أصواته من السجون إلى الجامعات ومن السائقين والعمال والممرضات إلى شرائح أخرى من السكان. أولئك الذين يصرخون: "نواصل طريق نويد" "كل منا نويد".

استنتاج

إن ما حدث في قضیة نوید أفكاري منذ البداية حتی الآن، يثبت حقائق اجتماعية وسياسية مهمة يجب معالجة كل منها علی حدة، ولكننا هنا نذكر بإيجاز بعضاً منها:

- النظام یمر في وضع عصیب تفشل فیه جمیع محاولاته ومؤامراته لاستهداف المقاومة وقمع الشعب، بما یجعله شبیهاً بشخص عالق في مستنقع عمیق تبوء جمیع محاولاته للنجاة بالفشل وبمزید من الغرق.

- بالمقابل ونتيجة 40 عاماً من النضال المستمر والمقاومة الدؤوبة والثمن الباهظ الذي دفعه الشعب والمقاومة الإيرانية، وخاصة نتيجة انتفاضتي يناير 2018 ونوفمبر وینایر 2019، تم تمهيد طريق تؤول فیه كل ضربة یوجهها النظام إلى نفسه بینما تتقدم المقاومة بمزید من الخطوات الثابتة نحو السمو والتعميق والنصر المؤزر.

- في هذا الطریق، لا یمکن لأنصار الاستعمار واللوبيات وأصحاب سیاسة الاسترضاء تقديم أیة مساعدة ناجعة للنظام، لأن النظام نفسه، وبسبب ظروفه الحرجة وبغیة مواجهة خطر الانتفاضة والسقوط المحتوم الذي يهدده بشكل يومي، يتخذ مرغماً إجراءات تؤدي إلى إغلاق الطريق علی أنصاره.

بعبارة أخرى، وصل النظام في الفترة الأخيرة من حكمه إلى نقطة يتعين عليه فيها استهداف وإیذاء الذات باستمرار من أجل البقاء. من الواضح أن هذه العملية لا يمكن –منطقياً- أن تستمر لأمد طويل. هناك بالتأكيد أحداث كبيرة وهامة تتربص بالنظام في المستقبل القریب.