الرئيسيةأخبار إيرانمن أحمد الجلبي إلى رضا بهلوي: سياسات صناعة المعارضة المصطنعة

من أحمد الجلبي إلى رضا بهلوي: سياسات صناعة المعارضة المصطنعة

2Shares

من أحمد الجلبي إلى رضا بهلوي: سياسات صناعة المعارضة المصطنعة

وفقاً لمقال تحليلي مشترك نشرته صحيفة «واشنطن إكزامينر» الأمريكية، أعده البروفيسور إيفان ساشا شيهان، العميد المؤقت لكلية الشؤون العامة بجامعة بالتيمور، والدكتور مجيد رفيع‌زاده، الباحث في العلوم السياسية وخريج جامعة هارفارد، ينفذ النظام الإيراني استراتيجية أمنية واستخباراتية ممنهجة تقوم على تصنيع ودعم وتضخيم «معارضة مفتعلة» تتمحور حول ابن الشاه المخلوع؛ وذلك بهدف تطويق الانتفاضات الشعبية المتتالية، وتشتيت قوى المعارضة الديمقراطية الحقيقية، ومحاصرة أي بديل منظم قادر على قيادة التغيير وإسقاط نظام طهران من الداخل.

استنساخ سابقة الجلبي: تضليل الغرب واحتواء خطر التغيير الجذري

يستحضر المقال ما شهدته العاصمة الأمريكية في مايو 2004، بعد 14 شهراً من غزو العراق، حين نقلت صحيفة «الغارديان» عن مسؤول استخباراتي غربي قوله إن طهران نجحت تماماً في تضليل واشنطن عبر قنوات المعارض العراقي أحمد الجلبي؛ حيث غذت المخابرات الإيرانية الدوائر الغربية بمعلومات مضللة لتوجيه الأحداث بما يخدم مصالحها وإزاحة خصومها الإقليميين دون حاجة للتورط المباشر.

واليوم، يواجه المجتمع الدولي السيناريو ذاته فيما يخص إيران؛ إذ تكشف الأدلة المتراكمة أن النظام الإيراني يلجأ، في مواجهة الانتفاضات العارمة، إلى تكتيك أمني كلاسيكي: صناعة واجهة سياسية يروج لها كـ«خصم رئيسي»، تكون في واقع الأمر شخصية معروفة إعلامياً لكنها عاجزة عن إحداث أي تهديد ميداني لسلطة الملالي، فضلاً عن قدرتها على شق صفوف المحتجين واستنزاف طاقاتهم في معارك جانبية.

مواصفات «البديل الآمن» لطهران: تشتيت المحتجين وافتعال ثنائية استبدادية

يوضح التحليل أن ابن الشاه يمثل النموذج المثالي الذي تسعى طهران لتوظيفه؛ فهو شخصية معروفة في الغرب وعلى شاشات القنوات الفضائية الناطقة بالفارسية، لكنه يفتقر تماماً إلى أي تشكيلات تنظيمية أو قواعد فاعلة على الأرض داخل إيران قادرة على ترجمة الحضور الإعلامي إلى عمل سياسي مقاوم.

ويعتمد التكتيك الأمني للنظام على حصر الشعب الإيراني بين خيارين كلاهما استبدادي: إما الرضوخ لسلطة الملالي الحالية، أو العودة إلى ديكتاتورية الشاه التي أسقطها الشعب بثورة شعبية عارمة عام 1979؛ مما يؤدي إلى تصوير التغيير وكأنه مشروع يُفرض عبر صفقات خارجية وليس نتاجاً لنضال شعبي منظم من الداخل.

وقد ترجمت أبواق النظام الإيراني هذا التوجه صراحة؛ حيث كتبت وكالة «تسنيم» التابعة لحرس النظام في فبراير 2025 أن «وجود تيار ضعيف وبلا جذور كالملكية من شأنه مساعدة الجمهورية الإسلامية على البقاء». كما طرح موقع «خبر أونلاين» في طهران، في سبتمبر 2025، تساؤلاً مباشراً حول ما إذا كان الترويج لابن الشاه يمثل «مشروعاً مصنّعاً من قِبل النظام نفسه».

هندسة المشهد الميداني واختراق الجامعات: جمعيات وهمية لضرب الطلاب الجمهوريين

تكشفت هذه الآلية بوضوح خلال انتفاضة يناير الأخيرة؛ فبينما كانت الشوارع تشتعل بهتافات وطنية ديمقراطية مناهضة للاستبداد، عملت وسائل إعلام غربية وفضائيات موجهة على تصوير المشهد وكأن المحتجين يطالبون بعودة الشاه، بالاعتماد على مقاطع فيديو ثبت لاحقاً تزييفها ودبلجة أصواتها، أو عبر تضخيم هتافات مجموعات معزولة لم يتجاوب معها عموم المتظاهرين.

وبرز التدخل الأمني بأوضح صوره في الجامعات الإيرانية؛ فمع إعادة فتح أبواب الجامعات في 21 فبراير وتنظيم الطلاب مراسم تأبين لشهداء الانتفاضة، ظهرت فجأة وبشكل متزامن ما سُمي بـ«جمعيات الأسد والشمس» داخل جامعتي طهران وأمير كبير، وبأسماء وقنوات متطابقة على تطبيق «تلغرام».

وكشف نشطاء الحركة الطلابية في حوارات لاحقة أن هذه المجموعات، التي تدعي معارضة النظام، مارست في الواقع دوراً قمعياً مباشراً؛ حيث طالبت الطلاب بالامتناع عن التظاهر، وتسببت في إنهاء الوقفات الاحتجاجية، بل وهددت الطلاب الرافضين للهتاف لصالح ابن الشاه بتسليم بياناتهم وقوائم أسمائهم إلى دوائر الحراسة والأجهزة الأمنية التابعة للنظام، في استهداف مباشر للتيارات الطلابية الديمقراطية والجمهورية.

كتائب السايبر والشرائح البيضاء: حملات ممنهجة لاستهداف المعارضة المنظمة

امتدت هذه الهندسة الأمنية إلى الفضاء الإلكتروني؛ ففي أواخر عام 2025، وعقب تفعيل منصة «إكس» لميزة تحديد المواقع الجغرافية للحسابات، تبين أن آلاف الحسابات النشطة التي تدعي الولاء للملكية وتدعو لعودة نظام الشاه تدار فعلياً من داخل الأراضي الإيرانية وعبر تطبيق «أندرويد» المحلي، على الرغم من الحجب الشامل المفروض على المنصة في البلاد، ما يؤكد امتلاك مشغليها لـ«الشرائح البيضاء» غير الخاضعة للرقابة، والمخصصة حصراً لعناصر الأجهزة الأمنية والاستخباراتية.

وأظهر تحليل معمق لـ 66 حساباً من هذه الشبكة وجود توزيع دقيق للأدوار؛ تركزت مهمته على مهاجمة المعارضة الرئيسية، وفي مقدمتها منظمة مجاهدي خلق الإيرانية والقوى الجمهورية واليسارية ونشطاء الأقليات القومية، مستخدمين شعاراً صممه النظام لمساواة المقاومة الحقيقية بالسلطة القمعية وهو «الموت للثلاثي الفاسد: الملالي واليساريين ومجاهدي خلق». وجاء تقرير صادر عن «المجلس الأطلسي» في 5 مارس ليؤكد رسمياً أن الجيش السيبراني للنظام الإيراني يعمد إلى «تغذية الانقسامات داخل المعارضة عبر انتحال صفة عناصر ملكية موالية لابن الشاه».

إن الخطر الأكبر لهذه العمليات الاستخباراتية يكمن في السطو على الرسالة السياسية الحقيقية للانتفاضة، وتجريد الشعب الإيراني من تطلعاته الديمقراطية الناتجة عن عقود من النضال ضد ديكتاتورية الشاه ونظام الملالي؛ إذ يسعى نظام طهران عبر هذه الهندسة الإعلامية إلى إقناع العواصم الغربية بأنه لا بديل عملياً عن الوضع الراهن سوى الارتداد إلى حقبة سابقة رفضها الإيرانيون تاريخياً. ويتعين على صناع القرار ومراكز الأبحاث في الغرب التعاطي بأعلى درجات الحذر والتدقيق مع حملات الترويج المفتعلة لفلول النظام السابق، وتفادي السقوط مجدداً في فخاخ التضليل التي تخدم في المحصلة بقاء الديكتاتورية الحاكمة في طهران وتعرقل مسار الثورة الديمقراطية.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة