من ملحمة 2022 إلى بركان انتفاضة يناير: إرادة الخلاص تتوج النضال بصرخة «لا لنظام الشاه ولا لنظام الولي الفقيه»
تطل الذكرى السنوية الرابعة للجريمة الحكومية النكراء التي أودت بحياة الشابة مهسا (جينا) أميني في سبتمبر 2022، ليس بوصفها محطة لاستعادة مشاعر الألم والفجيعة، بل كفرصة تاريخية للتأمل في مسار غليان وطني عارم دشن مرحلة نوعية جديدة في الصراع الوجودي بين المجتمع الإيراني ومنظومة الاستبداد. إن تلك الجريمة المروعة، التي نُفذت بالاستناد إلى الترسانة الأيديولوجية المعادية للمرأة التي صيغت على مقاس أجهزة الولي الفقيه للتحكم في الحياة الخاصة والتفاصيل الدقيقة للمواطنين، تحولت فور وقوعها إلى صاعق فجر الذاكرة الوطنية المشتركة؛ فوحّدت غضب المدن وأسقطت جدران التردد، واضعة البلاد على عتبة تحول ثوري تاريخي انتزع فيه الشارع زمام المبادرة ورسم معالم المعركة الفاصلة لكنس الاستبداد بكافة أشكاله وصوره.
المرأة الإيرانية: القوة الدافعة للتغيير والريادة في قيادة انتفاضة 2022 ضد الاستبداد
شكلت المرأة الإيرانية القوة الدافعة وطليعة الحراك الثوري في انتفاضة عام 2022، متصدية لأجهزة القمع بصلابة وشجاعة فائقة ألهمت العالم واحتلت صدارة المشهد الدولي. وأثبت صمود الفتيات والنساء في الميدان وتقديمهن نموذجاً للمقاومة الجسورة والمخاطرة السياسية دورهن الريادي والحاسم في مقارعة منظومة القمع، ليرسخن حقيقة أن إسقاط سلطة الولي الفقيه وبناء جمهورية ديمقراطية تكفل الحرية والمساواة تقودهما إرادة المرأة في طليعة مسار التغيير.
توحد الغضب وتصويب البوصلة نحو رأس الاستبداد
لم يكن القتل العمد لمهسا أميني حدثاً معزولاً، بل جاء كإفراز طبيعي لمنظومة استبدادية تُسخّر نفوذها السياسي والديني لقهر المجتمع؛ حيث أدى هذا التعدي السافر إلى إيقاظ الوجدان الإنساني في عموم إيران، محيلاً المأساة الفردية إلى دعوة عامة للنهوض وطلب القصاص. وفي غضون ستة أيام فقط من اندلاع الشرارة الأولى، امتدت الانتفاضة كالنار في الهشيم إلى أكثر من 70 مدينة، لتحقق ثلاثة إنجازات إستراتيجية فارقة:
- التركيز المطلق على التناقض الرئيسي: وجّهت كافة المدن المنتفضة بنادق غضبها وشعاراتها بصورة حاسمة نحو جوهر الأزمة ومصدر الاستبداد؛ أي الولي الفقيه ومبدأ ولاية الفقيه المطلقة، كاسرة كافة المحرمات الأمنية والسياسية.
- الريادة التاريخية للمرأة: تصدرت النساء الإيرانيات الخطوط الأولى للمواجهة كقوة طليعية حاسمة تقود الحراك الميداني ضد كل بنية الحكم، في رد ثوري بليغ على عقود من القمع الممنهج والتمييز الجنسي المفروض.
- بلوغ عتبة التحول النوعي: انتقل مسار الانتفاضة الشعبية من مرحلة التراكم الكمي للاحتجاجات المتفرقة إلى عتبة التحول الكيفي الهادف للإطاحة الشاملة بالنظام وتفكيك أركانه.
إن كل حركة اجتماعية كبرى تخوض غمار المواجهة ضد نظام ديكتاتوري مدجج بالسلاح تمر بحتمية تاريخية؛ فمن تراكم الفعل الاحتجاجي تتولد لحظة العبور التي تُعدل موازين القوى لصالح قوى التحرر عبر التلاحم حول أهداف واضحة ومحددة. وعندما تتبلور هذه النقطة، يتدفق الزخم الجماهيري كالسيل الجارف، وهو الكابوس الأكبر الذي ترتعد منه أروقة الحكم وتسخر كل أجهزتها لمنع تشكله.
هندسة الالتفاف.. تلاقي غرف التفكير الأمنية مع بقايا الملكية
في اللحظة التاريخية التي اقتربت فيها انتفاضة 2022 من حسم هذا التحول الكيفي وتوحيد الشارع لإسقاط الحكم، استنفرت غرف التفكير التابعة لأجهزة النظام الإيراني أدواتها الاستخباراتية لتفخيخ الحراك وتشتيت بوصلته؛ حيث أطلقت السلطة فيروس الارتجاع الملكي لخلخلة الصف الوطني، فدفعت بأحد مقدمي برامجها التلفزيونية في احتفالات عقد الفجر الرسمية إلى خارج البلاد لإطلاق حملة تضليلية موجهة تحت عنوان «أفوّض رضا بهلوي».
وسرعان ما تلقت منصات إعلامية محسوبة على تيار الإصلاح الزائف والفلول الملكية تلك المناورة المخابراتية بالترويج والدعم الواسع، بهدف حرف أنظار الشارع عن جوهر الانتفاضة ووحدتها الميدانية. إن هذا التسميم السياسي المنسق الذي شاركت فيه دوائر التبعية، ومخلفات جهاز السافاك المنحل، وشبكات الضغط المشبوهة، أحدث تصدعاً وتردداً مدروساً بين الداخل المنتفض والجاليات الإيرانية في الخارج؛ مسدداً طعنة غادرة لظهر الثورة في محاولة لإنقاذ المنظومة الحاكمة من السقوط الوشيك. لقد أثبت هذا المنعطف من جديد أن الشعب الإيراني يواجه عدواً واحداً يتجلى في ثقافة الاستبداد بشقيها: ديكتاتورية التاج بالأمس، واستبداد العمامة اليوم.
فرز تاريخي للمشهد وتتويج الخيار الثوري
رغم الجراح والطعنات التي أحدثتها خيانة المراهنين على بقايا النظام الملكي والمتواطئين مع أجهزة الحكم، فإن انتفاضة 2022 أحدثت فرزاً سياسياً وتاريخياً غير مسبوق:
- في معسكر السلطة: تعمقت التناقضات الهيكلية والصراعات البينية داخل بنية الحكم، ولم يتبقَ في جبهة النظام سوى الآمرين المباشرين بالجريمة وعناصر القمع المنفذين لها بعد انكشاف كافة ألاعيب الترقيع والاعتدال المصطنع.
- في معسكر الشعب: رسخت التجارب الدامية ضرورة رسم حدود فاصلة وقطيعة تامة مع كل أشكال الديكتاتورية دون مواربة؛ حيث اختُبرت وسقطت كافة مسارات المساومة والحلول الجزئية، وبات التمايز جلياً وناجزاً بين معسكر التحرر الكامل ومعسكر الاستبداد.
لقد عبدت تضحيات 2022 الطريق مباشرة نحو النضج الثوري الذي تجلى في انتفاضة يناير الكبرى، والتي جمعت في رحابها كافة الخبرات المتراكمة والغضب المضغوط لأجيال واجهت القمع بالثبات؛ لتتبلور الخلاصة الحتمية بأن كنس الاستبداد لا يتحقق بالرهانات الخاسرة أو الوصايات المفروضة، بل عبر الحسم الميداني والتلاحم المنظم لقوى المجتمع الحية.
مشاعل الانتفاضة المتقدة: شباب الثورة يجددون عهد الشهداء بـ 25 عملية نوعية في طهران و15 مدينة
جدد شباب الانتفاضة العهد مع 750 شهيداً في الذكرى السنوية لانتفاضة عام 2022، منفذين 25 عملية نوعية استهدفت مقرات ومراكز القمع التابعة للنظام في طهران و15 مدينة أخرى، في تحدٍ مباشر للاستنفار الأمني المكثف. وتجسدت هذه العمليات الميدانية تحت شعارات «المرأة، المقاومة، الحرية» و«الموت للظالم، سواء كان الشاه أو الولي الفقيه»، لتؤكد استمرارية شعلة الانتفاضة وتصعيد نهج «النار رداً على النار» حتى دحر الدكتاتورية وإرساء الجمهورية الديمقراطية.
إن استعادة محطات انتفاضة 2022 في ذكراها الرابعة تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن الدماء التي أريقت في شوارع إيران لم تذهب هدراً، بل صاغت وعياً جمعياً عصياً على التزييف وأسقطت للأبد مناورات غرف التفكير الأمنية التابعة للنظام الإيراني وأبواق الارتجاع الماضي الهادفة لإعادة إنتاج التبعية. واليوم، في وقت تترنح فيه الفاشية الحاكمة أمام الضربات الاقتصادية والاجتماعية المتلاحقة وتصاعد نقمة جيش الجياع المحروم من قِبل مافيات النهب المنظم المرتبطة بـ حرس النظام الإيراني، تبرهن قوافل الصامدين وطلائع وحدات المقاومة أن الخيار الوحيد القادر على إنقاذ إيران يكمن في تصعيد الهجوم الثوري على قلاع الاستبداد وقطع دابر أوهام المساومة مع الولي الفقيه. لقد حسم المجتمع الإيراني خياره الوطني المستقل، ماضياً خلف بوصلته التاريخية الصلبة: «لا لنظام الشاه ولا لنظام الولي الفقيه»، ومصمماً على مواصلة المسير حتى اقتلاع منظومة القمع وتشييد صرح جمهورية تعددية مستقلة قائمة على سيادة الشعب تكفل الكرامة والعدالة والحرية الكاملة للجميع.
- إضراب السجناء السياسيين عن الطعام في 62 سجناً بإيران في الأسبوع الـ 138 لحملة «ثلاثاء لا للإعدام»

- من ملحمة 2022 إلى بركان انتفاضة يناير: إرادة الخلاص تتوج النضال بصرخة «لا لنظام الشاه ولا لنظام الولي الفقيه»

- رغم الاستنفار الأمني.. 30 نشاطاً متزامناً لوحدات المقاومة في مدن إيران

- رغم أجواء القمع.. عروض ضوئية متزامنة لوحدات المقاومة في مدن إيران

- تظاهرات حاشدة في ستوكهولم في ذكرى انتفاضة 2022: رسالة دولية حاسمة تسقط مناورات النظام الإيراني

- البروفيسورة ليلى سادات: جرائم النظام الإيراني ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم


