مضاعفة أسعار الوقود: نظام الملالي يغامر بإشعال بركان الغضب الشعبي
في خطوة محفوفة بالمخاطر تعكس عمق الإفلاس الاقتصادي والارتباك الإستراتيجي لنظام الملالي، لجأت حكومة طهران إلى مضاعفة أسعار البنزين للشريحة الثالثة المخصصة للاستهلاك الحر من 50,000 إلى 100,000 ريال للتر الواحد، وسط عجز حاد في الإمدادات واستنزاف مليارات الدولارات في عمليات الاستيراد. إن هذه الزيادة، التي بدأ سريانها في 7 سبتمبر 2026 وتطال كل استهلاك يتجاوز الحصة الشهرية المدعومة المحددة بـ 110 لترات, لا تمثل مجرد تعديل سعري روتيني، بل هي استدراج مباشر لشرارة الانفجار الاجتماعي الأكبر في تاريخ إيران المعاصر؛ حيث يعيد هذا القرار إلى أذهان قادة الفاشية المتسترة بعباءة الدين شبح انتفاضة نوفمبر 2019 الدامية، ويضع أركان نظام الولي الفقيه في فخ تاريخي لا مخرج منه: العجز المالي التدميري في حال الإبقاء على الدعم، أو الانتحار السياسي ومواجهة بركان الشارع في حال رفعه.
«الصدمة المتدرجة».. تكتيك استباقي لتفادي الانفجار الوجودي
لم يجرؤ النظام على فرض زيادة سعرية شاملة ومفاجئة دفعة واحدة، لعلمه اليقين بأن صدمة فورية تطال كافة الشرائح تعني نزول الملايين فوراً إلى الشوارع كما حدث في نوفمبر 2019. وبدلاً من ذلك، اعتمدت السلطة استراتيجية الصدمة المتدرجة عبر تضييق الخناق خطوة تلو أخرى؛ فبعد سنوات من تخصيص 60 لتراً بسعر 15,000 ريال و100 لتر بسعر 30,000 ريال، تم في ديسمبر 2025 استحداث شريحة ثالثة بسعر 50,000 ريال، ثم خُفّضت حصة الشريحة الثانية خلال العام الجاري من 100 إلى 70 ثم إلى 50 لتراً، وصولاً إلى مضاعفة سعر الشريحة الثالثة اليوم لتبلغ 100,000 ريال.
هذا التدرج الحذر—الذي وثقته تقارير دولية مشيرة إلى تأجيل الخطوة مراراً بسبب المخاوف الأمنية—يفضح الرعب المتمكن من دوائر صنع القرار. ورغم محاولات أجهزة البروباغندا الادعاء بأن الزيادة تستهدف 15% فقط من المستهلكين وستُعاد عائداتها للأسر، فإن الواقع المعاش يكشف أن أي مساس بأسعار الطاقة ينعكس بصورة فورية على قطاعات النقل، وسيارات الأجرة، وتوزيع السلع، وشحن البضائع، مما يعني ضخ موجة تضخمية عاتية في شرايين اقتصاد منهك يعاني أصلاً من معدلات تضخم تناهز 67%.
مفارقة بلد النفط.. عجز التكرير ونهب المليارات
تكشف أزمة الوقود الراهنة عن التناقض البنيوي القاتل لإدارة الملالي؛ فإيران التي تتربع على أضخم احتياطيات الغاز والنفط عالمياً، تقف اليوم عاجزة عن تأمين احتياجاتها اليومية من المشتقات المكررة. ووفقاً للأرقام الرسمية الصادرة عن الشركة الوطنية لتوزيع المشتقات النفطية، قفز الاستهلاك اليومي في أغسطس إلى رقم قياسي لامس 145 مليون لتر، في حين تقف الطاقة التكريرية المحلية المتراجعة عند حدود 121 إلى 122 مليون لتر يومياً، مما يفرض فجوة يومية تتراوح بين 15 و20 مليون لتر يجب تغطيتها بالاستيراد.
إن كلفة هذا العجز باهظة بصورة كارثية؛ إذ أقر مسعود بزشكيان بأن النظام أهدر قرابة 6 مليارات دولار لاستيراد البنزين خلال العام الإيراني المنصرم. ففي الوقت الذي تدمرت فيه مصافي النفط بفعل غياب الصيانة، وتوقف الاستثمار، والفساد المنهجي الذي تقوده كارتيلات حرس النظام الإيراني، تضطر خزينة الدولة لشراء الوقود المستورد بكلفة تصل إلى 700,000 ريال للتر، لتبيعه محلياً بكسور طفيفة من قيمته. ورغم هذه المضاعفة الأخيرة للسعر الحر، فإن التقديرات تشير إلى أن العائدات الإضافية لن تتجاوز 500 مليون دولار سنوياً، وهو مبلغ هزيل لا يغطي حتى 10% من فاتورة الاستيراد، مما يؤكد أن الإجراء هو تخبط مالي عقيم لن يوقف نزيف الاحتياطيات الأجنبية.
طحن القدرة الشرائية وتوسيع دائرة المحرومين
تأتي هذه الجرعة التضخمية في ظرف يعيش فيه المجتمع الإيراني انهياراً قياسياً للقوة الشرائية، حيث هوت العملة الوطنية إلى مستويات تاريخية غير مسبوقة، وسجل مؤشر البؤس أرقاماً قياسية تجاوزت 100% في معظم المحافظات.
إن إصرار مافيات النهب المنظم على تمرير هذه الزيادات لتغطية عجز الموازنة الناجم عن الإنفاق العسكري والأمني العبثي، يعني عملياً مصادرة ما تبقى من قوت العمال والموظفين والمتقاعدين. فزيادة تكلفة الوقود تؤدي آلياً إلى قفزات جنونية في أسعار المواد الغذائية الأساسية كالحبوب، والألبان، واللحوم، والخضروات، لكون قطاع النقل الزراعي والغذائي يتحمل العبء الأكبر؛ الأمر الذي يحيل وعود التنمية والدعم الحكومي المزعوم إلى سراب، ويُسقط قطاعات واسعة من الطبقة الوسطى إلى هاوية الفقر المدقع، ليضمها إلى صفوف المحتجين الغاضبين.
شبح نوفمبر 2019.. استنفار أمني واستعصاء تاريخي
تدرك قيادات النظام أن البنزين في إيران ليس مجرد مادة استهلاكية، بل هو صاعق تفجير سياسي بالغ الحساسية. ففي 15 نوفمبر 2019، أدى رفع أسعار الوقود إلى انتفاضة عارمة شملت أكثر من مئة مدينة، واجهتها أجهزة القمع بقطع شبه كامل للإنترنت وسفك دماء المئات من الشباب المتظاهرين بدم بارد.
واليوم، ومع تكرار المشهد وتكدس صفوف السيارات أمام المحطات وتزايد التوتر في مختلف المدن، تشهد محطات التوزيع انتشاراً أمنياً مكثفاً ودوريات عسكرية وشرطية بالزي العسكري والمدني تحسباً لأي احتكاك. إن هذا الاستنفار العسكري المكتوم يثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن النظام يعيش في حالة رعب حقيقي من أن تؤدي الطوابير الممتدة والضغوط المعيشية المتفاقمة إلى كسر جدار الخوف من جديد، وأن تتحول شرارة الوقود إلى هجوم كاسح يجتاح قلاع الاستبداد.
إن مضاعفة أسعار البنزين في خضم الانهيار الاقتصادي الراهن ليست مجرد أزمة طاقة أو فشل في إدارة الموارد، بل هي دليل ساطع على وصول بنية الفاشية المتسترة بعباءة الدين إلى الإفلاس التام والانسداد التاريخي الكامل. لقد أثبتت الوقائع أن مليارات النفط المنهوبة التي بددتها مافيات النهب المنظم التابعة لـ حرس النظام الإيراني على المغامرات التخريبية في المنطقة وتمويل آلة القمع الداخلي، قد تحولت إلى حبل مشنقة يلتف حول عنق الولي الفقيه، محيلاً المجتمع إلى كتلة لهب جاهزة للاشتعال. إن محاولات المناورة بالزيادات المتدرجة ونشر الحشود الأمنية لن تنجح في ترويض جيش الجياع الذي لم يعد لديه ما يخسره، ولن تمنع وحدات المقاومة من استثمار هذا الغليان لتوجيه ضربات الردع لمقرات القمع وتأطير الغضب الشعبي نحو ساعة الحسم. لقد حسم الشعب الإيراني مساره بوعي جذري يرفض كافة البدائل الوهمية ومحاولات إعادة إنتاج الاستبداد تحت الشعار الوطني الراسخ: «لا للشاه ولا للولي الفقيه»، مؤكداً أن نار الغضب المتأججة في محطات الوقود وشوارع المدن لن تخمد إلا باقتلاع نظام الملالي من جذوره وإرساء صرح جمهورية دموكراتية، تعددية، ومستقلة تستعيد ثروات إيران وتضمن كرامة وحرية شعبها.
- الاحتجاجات في إيران تزامناً مع قفزة جنونية للدولار إلى 235 ألف تومان

- سنتكوم: إيران عاجزة عن حماية ناقلاتها النفطية

- وحدات المقاومة تكرّم مؤسسي وشهداء مجاهدي خلق في مدن إيرانية

- مؤتمر الجرائم المستمرة ضد الإنسانية: الإعدامات السياسية في إيران وواجب التحرك

- تصدع في قمة الهرم بطهران: حرب الأجنحة تنفجر باتهامات الخيانة والمطالبة بإعدام حسن روحاني

- مجاهدو خلق و61 عاما من «كسر سد الزمن» وصناعة شرف المقاومة الإيرانية


