لا للشاه ولا لنظام الملالي: تظاهرة باريس ترسم ملامح إيران المستقبل
تكتسب تظاهرة 20 يونيو/حزيران 2026 في باريس أهمية سياسية مضاعفة، لأنها لم تعد مجرد مناسبة سنوية رمزية لإحياء ذكرى 30 خرداد، بل تحولت هذا العام إلى محطة انتقالية في مسار المقاومة الإيرانية، تعكس انتقالها من مرحلة التذكير بالشرعية التاريخية إلى مرحلة تثبيت البديل السياسي المنظم. فهذه التظاهرة تأتي بعد انتفاضة يناير 2026 داخل إيران، وبعد إعلان المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية في 28 فبراير 2026 تشكيل الحكومة المؤقتة لنقل السيادة إلى الشعب الإيراني، وهو ما يمنح الحدث بُعدًا يتجاوز التعبئة الجماهيرية إلى إظهار ملامح السلطة البديلة.
في السنوات السابقة كانت تظاهرات 20 يونيو تؤكد ثلاث رسائل أساسية: رفض الديكتاتورية الدينية، وتخليد شهداء المقاومة، وإبراز استمرار الحضور الشعبي في الخارج. أما في 2026، فالمعنى السياسي أوسع بكثير، لأن المقاومة تدخل هذه المناسبة وهي تحمل مشروعًا انتقاليًا واضحًا، يقوم على حكومة مؤقتة وبرنامج سياسي محدد مستند إلى خطة السيدة مريم رجوي ذات النقاط العشر. بهذا المعنى، لم تعد المسألة مجرد احتجاج على النظام، بل أصبحت عرضًا عمليًا لبديل جمهوري ديمقراطي، يقوم على سيادة الشعب، وفصل الدين عن الدولة، وإلغاء الإعدام، وتفكيك أجهزة القمع.
هذا التحول هو ثمرة تراكمات داخلية وخارجية. داخليًا، جاءت انتفاضة يناير 2026 لتؤكد أن المجتمع الإيراني لم يعد يقبل دورة القمع التقليدية، وأن موجة الإعدامات والاعتقالات اللاحقة لم تنجح في استعادة الخوف العام. وخارجيًا، تزايد الاعتراف الدولي بخطورة النظام وبحضور المقاومة المنظمة كخيار سياسي جدي، وهو ما ظهر في الزخم الإعلامي والسياسي المصاحب للتظاهرة، وفي الرسائل الداعمة من شخصيات وبرلمانيين ومسؤولين سابقين.
خصوصية هذا العام ترتبط أيضًا بأن 20 يونيو بات يلتقي مع ثلاثة معانٍ في آن واحد: يوم ۲۰ حزیران بوصفه عيد المقاومة الإيرانية، ويوم الشهداء والسجناء السياسيين، والذكرى المرتبطة بتاريخ تأسيس جيش التحرير الوطني الإيراني. هذا التداخل يمنح المناسبة طابعًا تاريخيًا ـ سياسيًا مركبًا: فهي ليست فقط تظاهرة في المنفى، بل مناسبة لإعادة ربط الخارج بالداخل، والمستقبل بالماضي، والشرعية النضالية بالشرعية السياسية. لذلك فإن التظاهر في باريس هذا العام يبدو أقرب إلى إعلان مرحلة جديدة من الصراع، لا مجرد إحياء مناسبة سنوية.
كما أن التصعيد غير المسبوق في الإعدامات السياسية بعد انتفاضة يناير، واستمرار حملة “لا للإعدام” داخل إيران وخارجها، جعلا من تظاهرة باريس منصة لإدانة سياسة الإرهاب القضائي التي يعتمدها النظام للبقاء. ومع كل إعدام جديد، تتسع الحاجة إلى خطاب بديل يربط بين حقوق الإنسان، والعدالة، والشرعية السياسية، وهو ما تحاول المقاومة تجسيده عبر هذه الحشود الواسعة.
أثر التظاهرة داخل إيران لا يقاس فقط بعدد المشاركين في باريس، بل برسالتها السياسية إلى الداخل: هناك بديل منظم، وهناك قيادة سياسية تعلن برنامج انتقال، وهناك قدرة على تحويل الاحتجاج الاجتماعي إلى أفق سياسي. وهذا مهم خصوصًا بعد انتفاضة يناير 2026، لأن النظام يسعى دائمًا إلى عزل الانتفاضات الشعبية عن أي أفق قيادي. أما حين يرى الداخل أن المقاومة قادرة على حشد أكثر من مئة ألف في عاصمة أوروبية كبرى، وأنها تعلن حكومة مؤقتة وتربط ذلك ببرنامج محدد، فإن هذا يرفع مستوى الثقة لدى قواعد الاحتجاج ويضعف دعاية “لا بديل” التي يروج لها النظام.
ومن المتوقع أن تمنح التظاهرة دفعًا معنويًا جديدًا لوحدات المقاومة والناشطين في الداخل، لأنها تؤكد أن المعركة ليست محلية فقط، بل ذات امتداد دولي. كما أنها تبرز أن مطالب الشارع الإيراني لا تنفصل عن شعار “لا للشاه ولا للملالي”، أي رفض كل أشكال الاستبداد والبحث عن جمهورية ديمقراطية.
أما خارج إيران، فالأثر الأهم هو تثبيت صورة المقاومة الإيرانية باعتبارها البديل الديمقراطي الأكثر تنظيمًا واستعدادًا للانتقال. وهذا يظهر من خلال مشاركة شخصيات سياسية وبرلمانية وحقوقية دولية، ومن خلال الرسالة التي تريد التظاهرة إيصالها إلى العواصم الغربية: تجاهل المقاومة لم يعد ممكنًا، والتعامل مع الأزمة الإيرانية بوصفها شأنًا تفاوضيًا نوويًا فقط هو تبسيط مضلل. كما تحمل هذه التظاهرة شعار «لا للشاه ولا للملا»، وتُرسِّخ بذلك خطَّ التمايز بين حركة الشعب الوطني في إيران من أجل الحرية والاستقلال، وبين التيار الانتهازي المرتبط بابن الشاه، الذي جاء بشعاراتٍ مُضلِّلة لا تخدم عمليًا إلا النظام الملالي عبر بثّ الفرقة والانقسام. ومن المنتظر أن تفضح هذه التظاهرة هذا التيار على أوسع نطاق، وتُسقط عنه كلّ محاولة لتقديم نفسه بوصفه بديلاً ديمقراطيًا.
كذلك، من المرجح أن تعزز التظاهرة الضغط على الحكومات الأوروبية لإعادة تقييم سياستها تجاه طهران، ولا سيما في ملف الإعدامات، وعلاقات النظام بشبكات الضغط والاختراق، ودور جهاز المخابرات في استهداف مجاهدي خلق والمجلس الوطني للمقاومة في الخارج. وبذلك تصبح باريس 2026 ليس فقط ساحة تعبئة، بل ساحة إعادة تعريف للمسألة الإيرانية في الوعي الدولي: أزمة نظام، لا أزمة ملف واحد.
الخلاصة أن تظاهرة 20 يونيو 2026 في باريس تمثل هذا العام انتقالًا من مرحلة الشعار إلى مرحلة البناء السياسي. إنها تعلن أن المقاومة لم تعد تكتفي بتخليد الرموز، بل باتت تعرض أمام العالم معالم البديل: حكومة مؤقتة، برنامج ديمقراطي، تعبئة شعبية، ورفض شامل للاستبداد. ولهذا السبب تحديدًا، فإن أهمية هذه التظاهرة لا تكمن في حجمها فقط، بل في الرسالة التي تحملها: إيران تدخل مرحلة ما بعد الجمود، وما بعد الخوف، وما بعد احتكار النظام لمعنى المستقبل.
- نظام الملالي يعيش على الوقت المستقطع.. التماسك الهش وأوهام الاستقرار

- السفير روبرت جوزيف: تصفية البرنامج النووي مستحيلة دون إسقاط الديكتاتورية الدينية بدعم البديل المنظم والشعب الإيراني

- لا للشاه ولا لنظام الملالي: تظاهرة باريس ترسم ملامح إيران المستقبل

- احتجاجات عمال والكوادر الطبية في شوش ويزد

- فوكس نيوز: ترامب يرجئ قراره النهائي بعد اجتماع غرفة العمليات، وجعفر زاده يؤكد تآكل أركان طهران وضعف حرس النظام


