صراعات سياسية وبنيوية في إيران: جذور مترسخة في مركزية السلطة
غالبًا ما تنشأ الصراعات السياسية والبنيوية داخل نظام الحكم من مصدر واحد. ورغم أن الخلافات بين الفصائل قد تبدو متعددة الجوانب، فإنها في النهاية تتصل بجذر مركزي. وفي إيران، شهدت العقود الماضية صراعات متواصلة بين الفصائل داخل النظام، مما أثار تساؤلات حول السبب الجوهري لهذه الظاهرة. لماذا، على الرغم من وجود حكومات موالية للوليالفقیه، تزداد هذه الصراعات حدة؟ ولماذا ينتهي المطاف بالرؤساء، بغض النظر عن مواقفهم الأولية، عاجزين عن اتخاذ سياسات فعّالة؟
هذا التحليل يتناول الأسباب الأساسية وراء النزاعات الأخيرة، بما في ذلك تصريحات مسعودبزشکیان بشأن أوجه القصور البنيوية، وإشادته المتكررة بالوليالفقیه، إلى جانب الصراعات الفئوية في البرلمان التي أدت إلى إقالة عدد من وزراء الحكومة.
مركزية السلطة في يد الوليالفقیه
الإجابة المستمرة على هذه التساؤلات تكمن في الهيكل السياسي الفريد لإيران: اندماج السلطة الدينية والسياسية في يد الوليالفقیه. أدى هذا التمركز في اتخاذ القرار إلى تقليص النزاعات الفئوية إلى صراعات على السلطة والثروة داخل النظام. وغالبًا ما تُحسم هذه النزاعات بما يتماشى مع رأي الوليالفقیه، مما يضع العبء المالي والاجتماعي على كاهل الشعب الإيراني.
هذا الديناميك برز بوضوح في التصريحات المتناقضة لمسعودبزشکیان. فقد أقرّ بأن “العناصر الحزبية غير المجربة يجب أن تُمنح الفرص”، وفي الوقت ذاته أبدى أسفه لعدم قدرته على إحداث تغيير ملموس، ملقيًا باللوم على هيكل النظام الصارم. وتكرار استشهاده بـ “الوليالفقیه” يبرز اعتماده على هذه السلطة المركزية كوسيلة لتجاوز أزماته السياسية.
وتعكس وسائل الإعلام داخل إيران، حتى تلك الخاضعة لسيطرة النظام الفشل البنيوي المتزايد. فهي تكشف الانقسام المتزايد بين الدولة والشعب، وتُرجع إخفاقات النظام في سياساته الداخلية والخارجية إلى بنيته المركزية والاستبدادية.
وعلى سبيل المثال، سلطت صحيفة آرمان ملي الرسمية، في عددها الصادر بتاريخ 7 يناير 2025 الضوء على الأزمة المتصاعدة بين البرلمان والحكومة. وأفادت الصحيفة: “في الآونة الأخيرة، أدى تعطش بعض النواب للمواجهة مع الحكومة وانتقامهم منها إلى وضع خطة لإقالة وزراء في حكومة بزشکیان. ومع ذلك، من الواضح للجميع أن هذه الإقالات ذات طابع سياسي بحت ولا تتعلق إطلاقًا بمشاكل البلاد أو الشعب.”
كما انتقدت الصحيفة الصراعات الفئوية، واصفة إياها بأنها مدمرة للمصالح الوطنية. وأضافت: “طالما أن المنظور الفئوي والحزبي هو المسيطر، فإن إغلاق البرلمان قد يكون أكثر فائدة للبلاد.”
اعتراف بالفساد واستغلال الموارد
وفي اعتراف نادر، نقلت صحيفة آرمان امروز عن متحدث باسم الجبهة الإصلاحية قوله: “تُعامل موارد البلاد كغنائم حرب من قبل بعض الجماعات والأفراد.” يعكس هذا الاعتراف استغلال موارد إيران لتحقيق مكاسب فئوية، وهو ما أدى إلى سوء إدارة واسع النطاق وأزمة اجتماعية واقتصادية متفاقمة.
وأضاف المتحدث: “الفوضى الإدارية والقرارات غير العلمية أوجدت مشاكل عميقة في مختلف القطاعات. بعض الجماعات تضع مصالحها فوق المصالح الوطنية، وترى موارد البلاد كغنائم حرب تستغلها.”
وأشارت الصحيفة نفسها إلى الانهيار البنيوي داخل النظام، مشيرة إلى تراجع سيطرة الوليالفقیه على الدولة. وذكرت: “اختلالات اقتصادية وقرارات انفرادية أدت إلى تأثيرات مباشرة على معيشة الناس. عدم الاستقرار الاقتصادي واتساع الفجوة الطبقية هما نتائج مباشرة لهذه الاختلالات… وقد برزت فجوة عميقة بين الدولة والشعب.”
إن الإخفاقات الاستراتيجية للنظام، إلى جانب صراعات السلطة المتجذرة في مركزية الوليالفقیه، لها عواقب وخيمة. إذ تؤدي الفوضى السياسية إلى تفاقم المعاناة الداخلية وتكشف في الوقت ذاته نقاط ضعف النظام أمام الضغوط الإقليمية والدولية المتزايدة.
وتشيرهذه الديناميكيات إلى يقظة أوسع داخل إيران، حيث تُلهم نقاط ضعف النظام حركات سياسية تسعى إلى التغيير الجذري. الوضع الحالي يعكس أزمة شرعية متزايدة داخل نظام الحكم الإيراني، ما يفتح المجال لتغيرات مستقبلية تصب في مصلحة الشعب الإيراني ومعارضة الاستبداد.
- أفشين علوي عبر فرانس إنفو: النظام الإيراني يخشى المقاومة أكثر من القصف، والشعب يرفض العودة لدكتاتورية الماضي
- صمت غربي مخزٍ إزاء الإعدامات، والمقاومة الإيرانية صامدة في وجه القمع
- مرافعة الشهيد وحيد بني عامريان عضو مجاهدي خلق: تباً لحياةٍ ثمنها التخلي عن المبادئ
- صحيفة لوفيغارو: آلاف يتظاهرون في باريس تنديداً بالإعدامات وللمطالبة بمحاسبة النظام الإيراني





