الرئيسيةأخبار إيرانانکشاف النظام أبرز إنجاز للانتفاضة الإيرانية

انکشاف النظام أبرز إنجاز للانتفاضة الإيرانية

0Shares

الحياة اللندنية
11/1/2018

 

بقلم: عبدالوهاب بدرخان*


شعوب ومجتمعات عدة في المنطقة العربية تلقّت أنباء الحراک الشعبي في إيران بکثير من الترقّب والقلق والأمل. في الحدّ الأقصی أن يفضي الحراک إلی تغيير النظام ولو بعملية طويلة زمنياً، تغيير مطلوب إنسانياً وأخلاقياً بمقدار ما هو مطلوب سياسياً. وفي الحدّ الأدنی أن يشغل الحراک النظام في الداخل ويؤدّي إلی تغيير في طبيعته وعقليّته وسلوکه، فيدرک خطورة اشتعال النار في بيته ويقلّص تدريجاً من شروره في الخارج. لکن الحقيقة التي تجدّدت هي أن هذا النظام کان نجح أولاً في صنع أدواته الميليشيوية ونجح تالياً في استخدامها لقمع شعوب إيران بالقوة ولإخماد أي صوت معارض، وفي الوقت ذاته کان يستنسخ أدوات مماثلة في بلدان أخری لتؤدّي الدور القمعي ذاته، بل لتؤسس جيوشاً بموازاة الجيوش وتقيم دولاً داخل الدول.
بعيداً من المعلن الذي نادراً ما يطابق المضمر، وضع الحراک الشعبي أمام العراقيين والسوريين واليمنيين واللبنانيين، الواقعين مباشرة تحت الهيمنة الإيرانية علی اختلاف انتماءاتهم، احتمالات وحسابات غير متوقّعة، متخبّطة السلبيات والإيجابيات، لکن بات من الواجب عدم استبعادها. فالتظاهرات الراهنة قد تکون مجرّد إرهاصات، کما کانت قبلها حراکات تسعينات القرن الماضي و «الثورة الخضراء» عام 2009، وقد لا تطول الفترة بين ما يحصل اليوم وما يفترض (منطقيّاً) أن يحصل لاحقاً.
لماذا: «منطقياً»؟ لسببين: أولاً، لأن الإيرانيين يعيشون، کما العراقيون والسوريون واليمنيون واللبنانيون وغيرهم، بانطباع مقيم هو أن هذا النظام مرحلة عابرة لا يمکنها أن تستمر أو تدوم، علی رغم أنه قارب بلوغ عقده الرابع، ليس فقط لأن الملالي باشروا عهدهم حکاماً مستبدّين ثم غدوا فاسدين إلی حدّ أن يجهر الشعب بأنهم يأخذون من قوته ليصنعوا لهم أمجاداً في الخارج، بل خصوصاً لأنهم رجال دين يدّعون بأنهم مختلفون عن الأنماط المعروفة من الحکام أو حتی من المستبدّين، عسکريين أو مدنيين في خدمة العسکر، لکن تطبيقهم للدين والدولة والثورة غلّب عليها الإرهاب والترهيب وجرّدها جميعاً من أي أهداف إنسانية سامية. وثانياً، لأن السياسات التخريبية لهذا النظام بلغت أقصاها، في الداخل حيث تستطيع دولة غنية إفقار شعبها وتعجز عن تلبية حاجاته، وفي الخارج حيث تشعل حروباً وتقسم مجتمعات وتساهم في تفکيک دول وتدمير اقتصادات…
هذه السياسات اقتربت من مرحلة الاستحقاقات أو تکاد تبلغها. فمعظم الأزمات الإقليمية التي استثمرت إيران في صنع مآسيها تدنو من نهاياتها، وبعدما صعد الخط البياني لـ «انتصاراتها» إلی ذروته لا بد أن يبدأ الهبوط. لکن «نظام الملالي» موقن بأنه أسّس في البلدان الأربعة التابعة له أوضاعاً تبعد منه کؤوس الهزائم المرّة، ذاک أن ميليشياته جعلت منه متدخّلاً داخلياً ومحليّاً بحکم اعتماده علی الرابطة المذهبية. وباستثناء سورية، فإن أي حديث عن «انسحاب إيران» لن يکون واقعياً، لأنه سيعني طلب انسحاب «حزب الله» من لبنان، والحوثيين من اليمن، وميليشيات «الحشد» من العراق. في أحسن الأحوال يمکن السعي إلی نزع سلاحها، ما سيفجّر نزاعات داخلية مؤکّدة، وفي أسوأ الأحوال يمکن العمل علی استيعابها ودمجها، ما سيجعل الجيوش وقوی الأمن «الوطنية» مخترقة ومهددة بالانقسام، وبالتالي يقلّل من هيبتها وفاعليتها، تحديداً لأن المدمجين مشکوک في ولائهم ووطنيتهم.
حتی بالنسبة إلی سورية حيث يعامل الإيرانيون النظام علی أنه ميليشياهم الخاصة، کان «رحيل الأسد» مطلباً شعبياً يقلق نظام طهران، لکن تقلّبات الحرب أفضت إلی توافق روسي – إيراني علی «بقاء الأسد». وعلی رغم تفهّم الموقف الدولي لهذا «التوافق» إلا أنه لم يعنِ في أي حال قبولاً غير مشروط باستمرار الأسد في الحکم، کأن شيئاً لم يکن، وعداً أن بقاءه بات مکلفاً لحلفائه إلا أنه غير محسوم نهائياً. فبعد إفشال مفاوضات جنيف، وقبل الانتفاضة الشعبية الإيرانية، کان نظام الأسد مطمئناً إلی أن الروس والإيرانيين متکفّلون تعطيل أي «حل سياسي» يجتزئ من صلاحياته، کونهم مستفيدين من تفرّده بالسلطة. لکنه تلقّی إنذارات إسرائيلية وأميرکية جعلته يخشی تدفيعه ثمن أي مواجهة إقليمية قد يذهب الإيرانيون إليها دفاعاً عن وجودهم في سورية، أي إنهم باتوا عنصر تهديد للمکاسب التي حصّلها بفضلهم. من هنا، إن نظام الأسد قد يکون الأکثر تحسّساً لتأثير تلک الانتفاضة، ومع أنها لم تهدّد حليفه الإيراني إلا أنه يتخوّف من ارتباط أي مواجهة إيرانية – إسرائيلية مستقبلاً بتجدّد الحراک الشعبي علی نحو يربک النظام فعلاً. وهذا احتمال وارد.
ثمة حسابات مماثلة، لکن أکثر تعقيداً في العراق حيث انتهی الجانب الأهمّ في الحرب علی «داعش» لتتواصل مطاردة فلوله، ولتعود التحديات الهائلة إلی واجهة الاستحقاقات: تثبيت مکانة الدولة، إعادة إعمار المناطق التي دمّرتها الحرب، توطيد الأمن، تفعيل الاقتصاد والخدمات… وکلّ ذلک يتطلّب موازنات غير متوافرة، ويحتاج إذاً إلی مساعدات وقروض قد تتوافر، لکنها تحتاج أيضاً إلی عنصرين أساسيين: استقرار سياسي وإدارة شفافة وحازمة تمنع الفساد من التهام الموارد. لا يقتصر الفساد علی فئة واحدة مستفيدة، أما العقبة الرئيسية أمام الاستقرار فهي إيران وميليشياتها، وإنْ لم يعترف أحد بذلک علناً. لا شک في أن نهاية «داعش» عزّزت مکانة الجيش وقوة مکافحة الإرهاب والشرطة الاتحادية ودورها في الدفاع عن الدولة، کما أن أداء رئيس الحکومة حيدر العبادي يحظی بمقدار جيّد من الثقة في الداخل والخارج لکنه غير کافٍ بعد لتمکينه من طرح المبادرات الضرورية واللازمة لفتح صفحة جديدة في البلاد. لذلک، يراقب العراقيون الانتفاضة الإيرانية بمشاعر ملتبسة ومن دون أوهام، فثمة فرص للعراق إذا انشغلت طهران بحالها وخفّت وطأتها عليه. لکن العبادي الراغب في أن يکون رجل دولة، يعرف أن حزبه (الدعوة) ملتزم رغبة إيران في تأجيل قيام دولة مقبولة من الجميع في العراق.
في أي حال تلتقي الميليشيات التابعة لإيران علی مواصفات مشترکة أهمها توظيف الدولة والاستفادة منها فابتزازها ثم استعداؤها فتهميشها والاستعلاء عليها وصولاً إلی تطويعها أو تفکيکها لـ «إعادة تأسيسها» وتقريبها، ما أمکنها ذلک، إلی الولاء للمرشد/ الولي الفقيه. فإذا صارت الدولة تحت رحمة الميليشيات، وولاء الميليشيات للمرشد، يرتبط مصيرها بهذا الولاء أياً تکن التعددية في مجتمعها. علی ذلک، فقد يبدو نموذج «حزب الله» اللبناني هو الأمثل بمفاهيم إيران للهيمنة والنفوذ والاستحواذ علی الدولة، خصوصاً أنه نشأ علی مقاومة الاحتلال الإسرائيلي قبل أن يشوّه صورته بالتغوّل علی مواطنيه، وقبل أن يفسد سمعته بسفک الدم السوري. إلّا أن النموذج الحوثي يبدو أکثر تجسيداً لنزعة العبث الإيراني، سواء بهمجيته وتهوّره واستهزائه بالمعايير والأعراف أو باستسهاله القتل والنهب، والأهم أنه مضی في التخريب إلی الحد الذي أدهش أسياده. وإذ قدّم هذان النموذجان تضحيات کبيرة ولاءً للمرشد، فلا بدّ أنهما صدما بأن يکون إلغاء ولاية الفقيه من الدستور أحد أبرز مطالب الحراک الشعبي الإيراني.
مضی شباب إيران الغاضبين أبعد من جميع الاعتبارات الخارجية التي افترضها النظام في رواية «المؤامرة» وأخفق في ترويجها، بل أکثر جدية من استغلالات دونالد ترامب وبنيامين نتانياهو حراکهم. ولعل التعبير الأمضی في انطلاقتهم أنهم أسقطوا في زمن قياسي کثيراً من الرموز، فلم يتملّقوا للمرشد ضد الرئيس أو العکس بل تجاوزوهما، ولا راهنوا علی دعمٍ من هذا الفريق أو ذاک بل کشفوا منذ اللحظة الأولی توزّع الأدوار والوظائف بين المحافظين والمعتدلين والإصلاحيين وما بينهم من تماهٍ. بالتالي، حتی لو نجح النظام في احتواء هذه الانتفاضة وإخمادها فإنها منذ صرختها الأولی قادته إلی الانکشاف وجهرت بکل شيء. فهذا نظام قد يکون حقق نجاحات في الخارج لکنه يجوّع شعبه، وقد تکون جرائم ميليشياته بنت له نفوذاً لکن قلب إيران وروحها يتهرّآن ويتأکلان، وقد يکون زيّن لنفسه أنه أقام «إمبراطورية»، لکنه حين يصحو من نشوته سيجد أنها مجرّد «إمبراطورية خيالية» تعوّل في استمرارها علی «الحوثيين» وأمثالهم.
 
*کاتب وصحافي لبناني

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة