بعد كلمة من الكلمات الافتتاحية، من قبيل "أزمة انعدام الثقة"، يتحدث موقع "عصر إيران" عن ظاهرة جديدة في المجتمع الإيراني، أسماها "البرود" ثم أسماها "الإحباط". وكتب الموقع المذكورة في تفسيره لهذه التسمية ما يلي:
"أصيب المجتمع الإيراني " بـ "البرود" حيال ظاهرة السياسة والمصير الاجتماعي. ولم يصبح هذا المجتمع غير مكترث بالأحداث السياسية المهمة فحسب، ولكنه في الأساس لا يراها، ولا يولي أهمية لمجيء السياسيين أو رحيلهم، ولا إلى ما يسنه المجلس من قوانين، ولا إلى حجم الاختلاس الضخم، ولا إلى ما فعله المسؤول الفلاني أو الفلاني.
وإذا دققنا النظر في هذا المقال، سندرك أن هذا المحلل الحكومي يتحدث عما أطلق عليه بعض علماء الاجتماع الحكوميين في وقت سابق "عدم اكتراث المواطنين". ولا يذهب هذا المحلل إلى ما وراء المشهد والبراهين؛ في تتبع جذور هذه الظاهرة، وفي نهاية المطاف، يُرجع السبب في ذلك إلى عدم وفاء الوكلاء الحكوميين بوعودهم أو إلى الصراع على السلطة بين الزمر الحاكمة.
بيد أن القضية تذهب إلى أبعد من ذلك بكثير، حيث أن هذا اعتراف واضح بانفصال أبناء الوطن عن الأقلية من الحکام المغتصبین وغیر الشرعیین. وهذا ليس دليلًا على انهيار المكانة الاجتماعية للسلطة في القاعدة الاجتماعية فحسب، بل حتى بين معاليها ومتطفليها.
والحقيقة هي أن التمزق والانفصال بين السلطة وأبناء الوطن آخذ في التصاعد بعد القمع الدموي لانتفاضة نوفمبر 2019. وعلى الرغم من أن السلطة وصفت الثوار بالبلطجية والسفاحين، إلا أنها سرعان ما تراجعت عن افترائها خوفًا من المجتمع الثائر. وكتب محسن رناني، أحد المحللين المنتمين لزمرة الإصلاحيين المزيفة، ما يلي:
"لم تكن انتفاضة نوفمبر 2019 هي الحركة الأولى بعد الثورة، ولكنها كانت أهمها. كانت الأهم، لأنها كانت صرخة مدوية لانهيار أهم قاعدة اجتماعية للسلطة، ألا وهي المستضعفين. وإذا كانت المكانة الاجتماعية للسلطة قد انهارت في احتجاجات 1999 و 2009 بين الطبقات الحضرية والثقافية المتوسطة، وضعفت المكانة الاجتماعية للسلطة في احتجاجات 2018 بين الطبقات المتوسطة التقليدية، أي الحرفيين والتجار، فقد تم قمع الطبقات الدنيا والفقيرة التي كانت تمثل الجزء الأكبر من القاعدة الاجتماعية للسلطة؛ في انتفاضة نوفمبر 2019، وانهار ارتباطها العقلي والعاطفي بالنظام السياسي بكل ما تحمل الكلمة من معنى".
وبموجب ما تنطوي عليه هذه المقالات، فإن ما يسميه أحد المحللين الحكوميين بـ "البرود" أو بعبارة أخرى، "عدم اكتراث المواطنين"، ويستنتج منه سلبیة وتقاعس وشحوب المجتمع ككل واكتفائه بالمشاهدة؛ ليس أكثر من تحليل سطحي. حيث أن ما يسمى بـ "البرود" فضلًا عن "عدم اكتراث المواطنين" قد وصل إلى مرحلة خطيرة (خطيرة على السلطة) وبدون عودة علاقات الشعب مع نظام ولاية الفقيه. بمعنى أن الإيرانيين لا يتطلعون بعد إلى التغيير من داخل السلطة، حيث أنهم يرون أن هذه السلطة لم تعد مقبولة للتغيير من داخلها على الإطلاق، ولا غنى عن الإطاحة بها برمتها. ولا ينبغي أن ننخدع باللعبة المتنوعة المضللة التي تنتهجها زمر السلطة والصراع على السلطة لكسب المزيد من الحصة. فجميع زمر هذه السلطة مثل بعضهم. ولا فرق بينها في الولاء لمبدأ نظام ولاية الفقيه والتورط في سفك دماء أبناء الوطن.
وبهذا الاستنتاج، " يتم تغيير الوزير الفلاني، والمواطنون لا ينتبهون، وتدور المنافسة على مقعد رئاسة الجمهورية، والأمر بالنسبة للمواطنين لا أهمية له، ويحدث انفجار في نطنز وينتج عنه تدمير الآلاف من أجهزة الطرد المركزي، ويكتفي المواطنون بهز رؤوسهم، وتقترب الانتخابات الرئاسية يومًا بعد يوم، ولا يوليها المواطنون أهمية خاصة،… إلخ. ". ويكمن وراء هذه اللامبالاة الظاهرية غضبٌ عارمٌ وانفجارٌ كامنٌ. غضبٌ تراكم بمرور الزمن حطبة بحطبة وجمرة بجمرة، ويمكننا رؤية علاماته في انتفاضة المتقاعدين وانتفاضة سراوان، … إلخ، غير أن هذا الغضب العارم سوف ينفجر في ساعة صفرٍ لا يمكن التنبؤ بها، ولن یعد من الممکن السیطرة علیه.

