يمكننا هذه الأيام شم رائحة انهيار نظام ولاية الفقيه وانعدام الأمل في استمراره؛ من كل صوب وحدب. ويمكن القول أن ناقوس هلاكه اجتماعيًا وتاريخيًا قد دق بأعلى صوت لدرجة أن أضعف البشر سمعًا يمكنهم سماعه. وهذه ليست خواطر تجيش في أذهان معارضي نظام الملالي فحسب، بل وصلت وخامة الأوضاع وتراكم الأزمات في مرحلة الإطاحة لدرجة أن الصحف الرسمية للاستبداد أيضًا تكتب عن الضرورة الملحة لحدوث تغييرات جذرية.
إذ تتحدث الصحف الرسمية في الوقت الراهن عن احتمال حدوث أعمال شغب في المدن لا يمكن السيطرة عليها، وعن أن قمع الاحتجاجات من شأنه أن يدفع الثوار إلى استخدام الحلول الفيزيائية.
والمقصود بالحلول الفيزيائية ضمنيًا هو تسليح الشباب الثائر. والدليل الدامغ على ذلك هو الأخبار المتواترة عن اكتشاف أسلحة في مختلف المدن الإيرانية.
إن الثوار يعتبرون الجميع (الإصلاحيين والأصوليين) في سلة واحدة
وتحذر وسائل الإعلام الحكومية باستمرار قادة نظام الملالي وتدعوهم إلى تغيير النهج من أجل الحفاظ على وحدة هذا النظام الفاشي، على النحو التالي:
" إن استمرار هذه الظاهرة من شأنه أن يستنزف صبر أبناء الوطن ويفيض بهم الكيل في حالة تراكم الأزمات وإحجام نظام الحكم عن سماع صوت المعارضين. وسوف يصبح الوضع النفسي والعقلي للمجتمع أكثر خطورة ما لم يحدث تغيير في إيران في القريب العاجل". (صحيفة "جهان صنعت"، 16 مارس 2021).
وذهبت صحيفة "آرمان"، في عددها الصادر في 16 مارس 2021، إلى أبعد من ذلك واعترفت بإنكار وحدة نظام الملالي وبخطر الإطاحة به على أيدي أبناء الوطن، حيث كتبت:
"إذا تعرض النظام للخطر، فلن يكن هناك أي خبر عن الإصلاحيين ولا الأصوليين، وتأكدوا أن الثوار يضعون الجميع في سلة واحدة. ولا ينبغي على الأصوليين أن يعتقدوا أنهم سيتمكنون من السيطرة على المجتمع بتبني سياسة التشدد، غير مدركين أن الأجواء في المجتمع تشير إلى شيء آخر. والحقيقة هي إما أن المتشددين الأصوليين ابتعدوا عن الواقع أو أنهم يعتقدون في تمكنهم من السيطرة على المجتمع من منطلق أن السلطة تحمي ظهرهم، ولا وجود للشجاعة على إثارة مشاكل المجتمع. وفي حين أن مجتمعنا يعاني من قضايا تحتلجية وتتفشى فيه مشاكل الشباب والطلاب والعاطلين عن العمل، نجد أن عددًا كبيرًا حتى من الإصلاحيين قد انفرط عقدهم". (صحيفة "آرمان"، 16 مارس 2021).
هل هذا صبر من المواطنين أم أنه إدخار للغضب لإطلاقه في اليوم الموعود؟
ما تكتبه هذه الصحيفة هو تعبيرٌ ضمنيٌ عن الحقائق التالية:
1- قضايا المجتمع الإيراني قضايا تحتلجية. أي أنه من غير الممكن بنظرة سطحية عابرة للمجتمع إدراك أن الإيرانيين أُناسٌ حكماء ويتمتعون بمرونة عالية. والحقائق في المجتمع تحتلجية وتكشف فجأة عن نفسها كالبركان المروِّع. وقد رأى الجميع هذه الظاهرة بأم أعينهم في انتفاضتي يناير 2018 ونوفمبر 2019.
2- لقد انتهت فترة مناورات الولي الفقيه الخادعة للتملص من مواجهة الأزمات وتبرير ساحة نظام الحكم منها. فلم يعد هناك أحد لينخدع بلعبة الإصلاحي والأصولي. واعتراف وسيلة إعلامية منتمية للإصلاحيين المزيفين بأنهم انفرط عقدهم قد يتأخر.
3- لا فرق بين زمر نظام الملالي بالنسبة لمجتمع ثائر يسعى إلى الإطاحة بهذا النظام الفاشي. لقد جرب المواطنون جميع الزمر، وأدركوا في المرحلة النهائية لهذا النظام اللاإنساني أنه لا خيار أمامهم سوى الإطاحة بهذا النظام لنيل الحرية والتمتع بترف العيش.
انسداد "صمام الأمان"
كان الإصلاحيون المزيفون يُوصفون ذات يومٍ بأنهم صمام الأمان لهذا النظام الفاشي.
"ولم يتقاعس الإصلاحيون عن القول بأنهم صمام الأمان لنظام الملالي. ويقولون أنهم يعتقدون أن تغيير نظام الملالي سوف يزيد من مشاكل البلاد وآلامها". (وكالة "إيسنا" للأنباء، محمدرضا خاتمي، 18 يوليو 2018).
والمقصود من "صمام الأمان" هو أن يقوم الإصلايين المزيفين بدحر الضغط الاجتماعي على نظام الملالي بالاحتيال والشعوذة عندما يصل مقدار ضغط الاحتجاجات الاجتماعية إلى نقطة الانفجار ويكسبون الوقت لبقاء هذا النظام الفاشي. والآن انتهت اللعبة وعفا عليها الزمن، إذ أن الحركة الاجتماعية بتطورها واتساعها وإرادتها الراسخة وتشددها لم تعد تسمح لهم باستعراض عضلاتهم والاستخفاف بالمعارضة.
"لم يعد الإصلاحيون صمام الأمان" (صحيفة "مستقل آنلاين"، 14 مارس 2021).
انهيار القوات القمعية أمام غضب الشعب
بالإضافة إلى انفراط عقد الإصلاحيين المزيفين، يجب أن نشير أيضًا إلى انهيار القوات القمعية وانفراط عقدها أثناء الانتفاضة، وتدفق أبناء الوطن الغاضبين في الساحات. ويشير الاعتراف العابر لصحيفة "جهان صنعت" بهذا الأمر إلى الكشف عن غيض من فيض.
"وعادة ما تستطيع قوات الشرطة الاشتباك مع المواطنين إلى حد ما، وبعد فترة من التعب والعجز في مواجهة الأوضاع العصيبة يقفون إلى جانب أبناء الوطن". (صحيفة "جهان صنعت"، 16 مارس 2021).
وتعلمنا تجارب الثورة المناهضة للملكية أنه لا يمكن لأي قوة أن تصمد أمام شعب متمرّد ثائر.
إن أبناء الوطن الذين يبدو أنهم يلوذون بالصمت يبنون في أفران غضبهم الخاصة السيوف المسلولة للثورة، ويخزنون البارود والرصاص ويكدسون البنادق لاستخدامها في يوم الانتفاضة العظيم. وسینفجر هذا الغضب العارم كالبركان فجأة في ساعة الصفر، وسيكون يومًا منقطع النظير.

