الطلاب يهتفون «ليرحل الملالي»… والنظام يستنفر لمنع تحول الشرارة إلى انتفاضة
لم يكن التجمع الاحتجاجي الذي شهدته جامعة العلامة طباطبائي في طهران، الاثنين 28 سبتمبر/أيلول، مجرد تحرك طلابي مرتبط ببداية العام الدراسي أو بارتفاع تكاليف الدراسة. فالشعارات التي رددها الطلاب، والإجراءات الأمنية المشددة التي رافقت افتتاح الجامعات، والتحذيرات الصادرة عن شخصيات أمنية في النظام، تضع الحدث في سياق سياسي أوسع: الخوف من أن تتحول احتجاجات محدودة ومتفرقة إلى موجة أوسع، وأن يلتقي الغضب الاجتماعي المتراكم بالمقاومة المنظمة داخل البلاد.
فالطلاب لم يكتفوا بالمطالبة بتحسين أوضاعهم الجامعية. وإلى جانب شعارات مثل «الغلاء والتضخم بلاء على حياة الشعب» و«جامعة مقابل المال.. لا نريدها»، ارتفع شعار سياسي مباشر: «لن يصبح الوطن وطنا حتى يرحل الملالي»، كما رفض الطلاب خطاب الحوار الذي تطرحه السلطات مرددين: «حواركم لا نريده، لا نريده».
وهنا تكمن أهمية ما حدث في جامعة العلامة. فالمطالب المعيشية والطلابية لم تبق منفصلة عن الموقف السياسي، بل التقت في ساحة واحدة. وهذا تحديدا هو المسار الذي يقلق النظام، لأنه يعرف من تجارب الاحتجاجات والانتفاضات السابقة أن تحركا يبدأ بالأسعار أو الأجور أو رسوم الجامعة يمكن أن ينتقل إلى شعارات تستهدف النظام السياسي نفسه.
النظام يتحدث عن «الشرارة»
ولعل أكثر ما يكشف حجم القلق ليس ما يقوله معارضو النظام، بل ما يصدر عن مسؤوليه الأمنيين.
إسماعيل أحمدي مقدم، القائد السابق لقوات الشرطة، حذر من إمكانية تحول أي احتجاج محدود إلى حركة أوسع، ودعا وزارة المخابرات والباسيج والحرس والشرطة إلى البقاء في حالة يقظة، قائلا: «إنهم يريدون أن يصنعوا من كل شرارة لهبا وأن يشعلوا النار في مكان ما».
هذه العبارة تختصر جانبا مهما من نظرة السلطة إلى المجتمع الإيراني في المرحلة الراهنة. فالنظام لا ينظر إلى احتجاج في جامعة باعتباره حادثا محليا ينتهي بانتهاء التجمع، وإنما باعتباره «شرارة» محتملة يمكن أن تنتقل إلى جامعات أخرى، ثم إلى العمال والمتقاعدين والشرائح المتضررة من الأزمة الاقتصادية.
وتصب في الاتجاه نفسه التصريحات التي شددت على ضرورة منع المحتجين من البقاء في الشارع. فالمشكلة بالنسبة إلى السلطة ليست مجرد خروج مجموعة من المواطنين للاحتجاج، بل استمرارهم في الشارع، واتساع التجمع، والتحاق فئات أخرى به، وتحول مطالب متفرقة إلى حركة سياسية أوسع.
51 ألف عنصر… ماذا تخشى السلطة؟
تزداد دلالة هذه المخاوف مع التقارير عن نشر 51 ألفا من عناصر الأمن والقوات المكلفة بالسيطرة على الاحتجاجات في طهران الكبرى، وإلغاء الإجازات ورفع مستوى التأهب، إلى جانب تشديد الإجراءات حول المدارس والجامعات، ولا سيما في طهران وأصفهان.
كما تحدثت التقارير عن تفتيش مواطنين وفحص هواتفهم المحمولة في بعض الشوارع، وإدخال معدات جديدة لمواجهة الاحتجاجات، فضلا عن تقديم مكافآت وحوافز مالية لعناصر أمنية.
وإذا كانت السلطة مطمئنة إلى استقرار المجتمع، فلماذا تحتاج بداية العام الدراسي إلى كل هذه التعبئة؟
إن حجم الاستنفار، إذا صحت هذه التقارير، يكشف الطريقة التي تقرأ بها الأجهزة الأمنية الوضع الداخلي: مجتمع مثقل بالأزمات، وغضب اجتماعي قابل للانفجار، وساحات متعددة يمكن أن تبدأ منها الاحتجاجات.
الجامعة تعود إلى موقعها السياسي
للجامعة في التاريخ السياسي الإيراني مكانة خاصة. فقد كانت في مراحل مختلفة مساحة للاعتراض والحركات السياسية والاجتماعية، ولهذا ظلت السيطرة على الجامعات واحدة من القضايا الحساسة بالنسبة إلى السلطة.
وما جرى في جامعة العلامة يعيد هذه الحقيقة إلى الواجهة.
فالجيل الموجود اليوم في الجامعات يعيش، إلى جانب القيود السياسية والاجتماعية، تحت ضغط أزمة اقتصادية تؤثر مباشرة في مستقبله: ارتفاع الأسعار، وتكاليف التعليم، والبطالة، وتراجع القدرة الشرائية، وصعوبة بناء حياة مستقرة بعد التخرج.
ولهذا يصبح الفصل بين «المطلب الاقتصادي» و«المطلب السياسي» أكثر صعوبة. فالطالب الذي يحتج على تكلفة الجامعة يعيش في المجتمع نفسه الذي يعاني فيه العامل من تآكل الأجر، والمتقاعد من انهيار قدرته الشرائية، والأسرة من التضخم وارتفاع تكاليف الحياة.
وهنا يظهر السيناريو الذي تخشاه السلطة: أن تبدأ الاحتجاجات من قضايا مختلفة وفي أماكن متفرقة، ثم تلتقي في رفض سياسي مشترك.
مجاهدو خلق ووحدات المقاومة… من العفوية إلى التنظيم
هنا تحديدا تتضح دلالة عودة النظام إلى تشديد الإجراءات ضد أعضاء وأنصار منظمة مجاهدي خلق الإيرانية. فمخاوف السلطة لا تتعلق بمجرد خروج الطلاب أو العمال أو المتقاعدين إلى الشارع، وإنما بما يمكن أن يحدث إذا التقت هذه الاحتجاجات الاجتماعية المتفرقة بقوة سياسية منظمة تعمل داخل البلاد.
ولهذا لا يمكن، في قراءة موقف الأجهزة الأمنية، فصل احتجاج طلاب جامعة علامه عن القلق الذي تعكسه تصريحات المسؤولين بشأن تحويل كل «شرارة» إلى «لهب». فالنظام يعرف من تجارب الانتفاضات السابقة أن التحدي يصبح أكبر عندما تتجاوز المطالب حدود الجامعة أو الأجور والأسعار، وتتحول إلى شعارات سياسية تستهدف نظام ولاية الفقيه.
وفي هذه النقطة تدخل منظمة مجاهدي خلق ووحدات المقاومة التابعة لها في الحسابات الأمنية للنظام.
فوحدات المقاومة، بحسب ما تعلنه المنظمة، تنشط داخل المدن الإيرانية في ظروف أمنية شديدة، وتسعى إلى كسر أجواء الخوف ونشر الشعارات المناهضة للنظام وتشجيع الاحتجاجات وربط المطالب الاجتماعية بهدف التغيير السياسي.
ومن هذا المنظور، لا تكمن أهمية وحدات المقاومة في كونها بديلا عن الحركة الاحتجاجية للشعب، بل في الدور التنظيمي الذي تقول المنظمة إنها تؤديه داخل مجتمع تتعدد فيه بؤر السخط والاحتجاج.
وهذا يفسر أيضا دلالة تزامن الاستنفار حول الجامعات والشوارع مع التقارير عن استئناف الإجراءات القضائية ضد أعضاء وأنصار مجاهدي خلق بعد توقف استمر نحو سبعة أشهر.
فالسلطة تواجه معادلة شديدة الحساسية: جامعة تحتج، وعمال ومتقاعدون وشرائح اجتماعية تعاني من الأزمة الاقتصادية، ومجتمع مثقل بالتضخم والغلاء، وفي داخل هذا المجتمع شبكات مقاومة منظمة تسعى إلى ربط هذه الطاقات الاحتجاجية بمشروع سياسي معارض للنظام.
لماذا يخشى النظام التقاء الاحتجاج بالتنظيم؟
الشرارة العفوية قد تستطيع الأجهزة الأمنية عزلها ومحاصرتها وإنهاء تجمعها. لكن الأمر يصبح أكثر تعقيدا عندما تجد الاحتجاجات امتدادا واستمرارية وتنظيما.
وهذا هو الرابط بين هتافات جامعة علامه، والاستنفار الأمني في طهران، وتحذير أحمدي مقدم من تحويل «كل شرارة إلى لهب»، والضغط على مجاهدي خلق وأنصارها.
إن ما تخشاه السلطة، بحسب هذه القراءة، ليس مجرد احتجاج طلابي منفرد، وإنما احتمال تلاقي ثلاثة عناصر في لحظة واحدة: أزمة اقتصادية واجتماعية عميقة، وغضب شعبي يظهر في الشارع، وتنظيم معارض يسعى إلى إعطاء هذا الغضب استمرارية واتجاها سياسيا.
وهنا تتحول القضية من احتجاج على الغلاء أو رسوم الجامعة إلى تحد سياسي أوسع.
فالسؤال بالنسبة إلى الأجهزة الأمنية هو: هل تبقى الاحتجاجات جزرا منفصلة، طلاب هنا وعمال هناك ومتقاعدون في مدينة أخرى، بحيث يمكن التعامل معها واحدة تلو الأخرى؟ أم يمكن أن تلتقي هذه الاحتجاجات في موجة واحدة، وأن تجد في المقاومة المنظمة ووحداتها داخل المدن عاملا يساعد على استمرارها واتساعها؟
الشرارة التي يخشاها النظام
لا يعني احتجاج جامعة واحدة أن موجة احتجاج وطنية قد بدأت، ولا يمكن الجزم مسبقا بالمسار الذي ستتخذه التحركات الحالية. لكن حجم الإجراءات الأمنية والخطاب الصادر عن شخصيات مرتبطة بالأجهزة الأمنية يبين أن السلطة نفسها تتعامل بجدية مع احتمال اتساع نطاق الاحتجاج.
وهذا ربما يكون أهم ما يكشفه مشهد جامعة علامه.
فالطلاب خرجوا بشعارات تجمع بين المعيشة والسياسة، بينما تقف أجهزة النظام على الطرف الآخر وهي تتحدث عن «الشرارة» و«اللهب»، وعن ضرورة منع المحتجين من السيطرة على الشارع.
وبين الاثنين تقف إيران مثقلة بأزمات اقتصادية واجتماعية وسياسية متراكمة.
إن المشكلة التي يواجهها النظام ليست شرارة واحدة يستطيع إخمادها، بل وجود أرضية اجتماعية تحتوي على أسباب متعددة للاحتجاج. وعندما يعاني الطالب والعامل والمتقاعد وقطاعات أخرى من المجتمع من أزمات متداخلة، يصبح هاجس السلطة هو احتمال التقاء هذه التحركات المتفرقة.
وفي هذه المعادلة تحديدا يظهر سبب وضع مجاهدي خلق ووحدات المقاومة في صلب الحسابات الأمنية للنظام: الخوف من انتقال الغضب من حالة الاحتجاج المتفرق إلى حالة أكثر تنظيما واستمرارية.
ومن جامعة العلامة إلى الشوارع، ومن المطالب المعيشية إلى الشعارات السياسية، يبقى السؤال الذي يقلق النظام: هل يستطيع إبقاء كل شرارة معزولة عن الأخرى، أم يأتي وقت تلتقي فيه شرارات الغضب الشعبي مع المقاومة المنظمة لتنتج موجة احتجاجية أوسع يصعب احتواؤها؟
- الطلاب يهتفون «ليرحل الملالي»… والنظام يستنفر لمنع تحول الشرارة إلى انتفاضة

- لا للحرب ولا للمساومة.. صوت الإيرانيين يرتفع من قلب نيويورك
- لماذا يستحضر النظام الإيراني مجاهدي خلق ووحدات المقاومة في كل أزمة؟
- النظام الإیراني يشتري الوقت… لكن كلمة الحسم تبقى بيد الشعب الإيراني ومقاومته
- مجاهدي خلق:انتخاب مهناز ميمنت… رسالة الاستمرارية والاستعداد لمرحلة جديدة من المواجهة
- من بزشكيان إلى قاليباف… قادة النظام يعترفون بخطر الانفجار الشعبي
