قاضٍ فرنسي يفضح صفقة باريس مع طهران على حساب المقاومة الإيرانية: مقايضة العدالة بعقود النفط والغاز
تحتفظ الذاكرة التاريخية للشعب الإيراني بسجل مثقل بجراح الغدر والصفقات الاستعمارية التي أبرمتها قوى دولية مع نظامي «الشاه والملالي» على حساب التطلعات الوطنية المشروعة؛ بدءاً من الانقلاب المشؤوم في 19 أغسطس 1953 ضد الحكومة الدستورية للدكتور محمد مصدق، وصولاً إلى الانقلاب الأمني والسياسي الفاشل الذي استهدف كسر شوكة المقاومة الإيرانية المنظمة. ففي السابع عشر من يونيو 2003، شنت السلطات الفرنسية—عبر إنزال عسكري شارك فيه أكثر من 1500 شرطي مدجج بالسلاح—هجوماً مباغتاً على مقر المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية في بلدة «أوفير سور أواز» شمال باريس، واعتقلت رئيسة الجمهورية المنتخبة من قِبل المقاومة، مريم رجوي، إلى جانب العشرات من الكوادر والأنصار، في صفقة أمنية وسياسية قذرة نسجت خيوطها كواليس المساومة مع نظام الملالي لشل حركة البديل الديمقراطي الجاهز. واليوم، وبعد مرور ثلاثة وعشرين عاماً على تلك المؤامرة التي تحطمت أمام صمود المقاومة، فجّر القاضي الفرنسي البارز مارك ترويديك، أحد ألمع قضاة مكافحة الإرهاب في فرنسا ورئيس محكمة الجنايات سابقاً، قنبلة سياسية وقضائية مدوية في «مؤتمر نانت»، كاشفاً النقاب عن الأبعاد السرية لتلك الصفقة المخزية، ومؤكداً أن باريس خضعت في مطلع الألفية الحالية لإملاءات طهران وقامت باعتقال معارضيها الرئيسيين ثمناً لتوقيع عقود نفطية وغازية بمليارات الدولارات.
كواليس الانقلاب الأمني.. استغلال القضاء لتأمين صفقات الطاقة
أوضح القاضي مارك ترويديك في شهادته الاستقصائية الصادمة أن ملف 17 يونيو لم يكن تحركاً قضائياً مستقلاً بدافع مكافحة الجريمة، بل كان انصياعاً سياسياً فجاً وضعت باريس بموجبه جهازها الأمني في خدمة طغمة طهران الحاكمة. وأكد تريفيديك أن الجهاز القضائي الفرنسي في ذلك الحين، وتحت الإشراف المباشر للقاضي جان لويس بروغيير، انزلق إلى توظيف مشبوه واستغلال نفعي للقوانين ومكافحة الإرهاب؛ حيث جرى تحويل لاجئين سياسيين—كانوا هم أنفسهم أهدافاً مستمرة لفرق الاغتيال التابعة لسفارات النظام وأجهزته المخابراتية في العواصم الأوروبية—إلى إرهابيين بين ليلة وضحاها عبر تلفيق ملفات كيدية وتهم مصطنعة.
وفضح القاضي الفرنسي الدوافع الحقيقية وراء هذا التواطؤ، مشيراً إلى أن الشركات الاحتكارية والحكومة الفرنسية في تلك الحقبة وضعتا مصالح عقود الطاقة والتنقيب عن النفط والغاز في إيران فوق كل اعتبار قانوني أو أخلاقي؛ فكان ثمن الدخول إلى الأسواق الإيرانية هو تقديم رأس المعارضة الإيرانية المنظمة على طبق من ذهب لنظام الملالي، في محاولة لتقويض القوة الوحيدة القادرة على تهديد بنية الاستبداد الثيوقراطي.
تفكيك التناقض الصارخ: كيف يكون خصوم «عراب الإرهاب» إرهابيين؟
وفي سياق دحضه للأكاذيب وتهمة الإرهاب التي أُلصقت بمنظمة مجاهدي خلق الإيرانية لتبرير الهجوم، طرح القاضي تريفيديك تساؤلاً منطقياً وقانونياً جوهرياً يعري ازدواجية المعايير الدولية، قائلاً باستغراب شديد: «كيف يُعقل أن يُصنف خصوم نظام إرهابي بأنهم إرهابيون؟». وسلّط تريفيديك الضوء على طبيعة العمليات النوعية التي كانت تنفذها المقاومة في الداخل الإيراني، مبيناً أنها لم تستهدف يوماً أهدافاً مدنية، بل تركزت بصورة دقيقة ومشروعة على مقرات القمع وأوكار الأجهزة الأمنية ومسؤولي الإعدام والتعذيب؛ وفي مقدمتهم جلادو عنابر سجن إيفين المركزي وأجنحة التصفية السياسية.
وأكد تريفيديك أن استهداف رموز البطش في دولة تمارس إرهاب الدولة المنظم ضد مواطنيها هو حق دستوري وإنساني تكفله كافة المواثيق الدولية، معتبراً أن الخلط المتعمد بين المقاومة المسلحة المشروعة ضد الديكتاتورية وبين الإرهاب العشوائي كان مجرد غطاء دعائي زائف سوقته دوائر الاسترضاء الغربية لإرضاء سلطة «الولي الفقيه» وتبرير قمع معارضيها.
الخطيئة الاستراتيجية لسياسات المهادنة: شل أذرع التغيير وإطالة عمر الطغيان
ولم تتوقف مكاشفات القاضي تريفيديك عند تفكيك التهم الملفقة، بل تجاوزتها إلى إدانة سياسية واستراتيجية مدوية للموقف الأوروبي، حين كشف عن فضيحة كبرى أسهمت بصورة مباشرة في بقاء النظام الفاشي الحاكم في طهران وتمدد أذرعه الإرهابية. وأكد تريفيديك بصراحة متناهية: «لقد كانت منظمة مجاهدي خلق تمتلك قدرات عسكرية وإمكانات تنظيمية هائلة، كان يمكن أن تكون اليوم بالغة الأهمية والفاعلية لحسم معركة إسقاط النظام الاستبدادي، غير أن فرنسا—ومن خلال صفقاتها النفعية مع طهران—حالت دون ذلك وتدخلت لمنع هذا المسار التحرري».
وتبرز هذه الشهادة التاريخية أن سياسة الاسترضاء لم تكن مجرد خطأ دبلوماسي عابر، بل كانت جريمة استراتيجية مدبرة شاركت فيها قوى غربية لعرقلة مسار التغيير الديمقراطي الذي كان في متناول الشعب الإيراني، مما منح منظومة «الولي الفقيه» عقوداً إضافية لمواصلة القتل والمجازر في الداخل ونشر الحروب والميليشيات والابتزاز النووي في المنطقة والعالم.
انتصار المادة الثانية: دحر المؤامرة وتثبيت «الحق في الثورة»
يُذكر أن تلك الصفقة المشبوهة تهاوت أركانها بالكامل بفضل ملحمة قانونية وسياسية قادتها المقاومة الإيرانية، وتوجت بصدور القرار التاريخي لمنع الملاحقة والبراءة التامة والقطعية لجميع قادة وكوادر المقاومة، وهو الحكم الذي صاغه وأصدره القاضي مارك ترويديك نفسه بعد تحقيقات استقصائية دقيقة أثبتت خلو ملفات المقاومة من أي شبهة جنائية أو إرهابية. واستند تريفيديك في حيثيات حكمه التاريخي إلى المادة الثانية من «إعلان حقوق الإنسان والمواطن» الصادر عن الثورة الفرنسية عام 1789، والتي تنص صراحة على أن «حق مقاومة الطغيان والاضطهاد» يمثل حقاً مقدساً وأصيلاً يعلو فوق القوانين الوضعية والمصالح السياسية العابرة، مشدداً على أن العدالة الفرنسية لا يمكن أن ترهن أحكامها لأوامر الملالي ورغباتهم القمعية.
وفكك تريفيديك بصورة حاسمة مهزلة اللوائح والقوائم الإرهابية الدبلوماسية، واصفاً إياها بأنها مجرد «ألاعيب سياسية وأوراق مقايضة نفعية» لا قيمة قضائية لها؛ مذكّراً بأن التاريخ حافل بشخصيات تحررية بارزة—مثل الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات—الذين أُدرجت أسماؤهم سابقاً في قوائم الإرهاب بدوافع سياسية، قبل أن ينالوا جائزة نوبل للسلام ويحظوا باعتراف العالم كقادة لحركات التحرر الوطني.
دروس التاريخ: التسميات الزائفة تتلاشى والمقاومة المبدئية تنتصر
تأتي هذه الاعترافات والوثائق الدامغة لتؤكد حقيقة راسخة لا تقبل التأويل: لم يسبق لأي جهة أو حكومة غربية أن فتحت ملفاً كيدياً أو لفقت تهماً ضد مجاهدي خلق بدافع العدالة، بل إن كل من وجّه سهام الاتهام لضحايا الإرهاب الحكومي وألصق تهمة الإرهاب بالند التاريخي الأوحد لنظام الملالي، لم يكن سوى شريك في الجرم ومتواطئ مع «الأب الروحي للإرهاب العالمي» في طهران.
إن ما أفرزته أجهزة المخابرات ودوائر الاسترضاء من نعوت وتسميات مسمومة—من قبيل الإرهاب، والعنف، والانغلاق الطائفي—لم تكن سوى فقاعات هوائية زائفة ولدت من رحم صفقات النفط والغاز، وتلاشت تحت مطارق الحقائق الدامغة؛ فالمقاومة الوطنية التي تنطلق من إرادة الشعب وترتكز على «الحق المشروع في مقاومة الاستبداد»، تمكنت من الخروج منتصرة من أعتى المؤامرات الاستعمارية وأقسى الاختبارات، لتؤكد مجدداً أن إرادة الشعوب في انتزاع حريتها كفيلة بإسقاط كل الصفقات وسحق نظام «الولي الفقيه» وبناء إيران الحرة والديمقراطية بسواعد ثوارها.
- كتلة الديمقراطية وحقوق الإنسان بالكونغرس الأمريكي تفضح مسرحية بزشكيان: حرب «الولي الفقيه» الحقيقية ضد شعبه

- قاضٍ فرنسي يفضح صفقة باريس مع طهران على حساب المقاومة الإيرانية: مقايضة العدالة بعقود النفط والغاز

- إعدام 7 سجناء في أصفهان خلال 10 أيام بينهم امرأتان وأم لستة أطفال

- مريم رجوي: جيل الانتفاضة والثورة يكتب مستقبل إيران بالحرية والديمقراطية

- إضراب السجناء السياسيين عن الطعام في 64 سجناً بإيران

- تجارة التعليم وإفقار الأجيال في إيران: مليون طفل خارج المدارس مع انطلاق العام الدراسي


