الرئيسيةأخبار إيرانإيران: تصدّع النواة الصلبة للسلطة وصراع أجنحة ولاية الفقيه

إيران: تصدّع النواة الصلبة للسلطة وصراع أجنحة ولاية الفقيه

التصدع في النواة الصلبة للسلطة

2Shares

إيران: تصدّع النواة الصلبة للسلطة وصراع أجنحة ولاية الفقيه

دخل نظام ولاية الفقيه في المرحلة الراهنة طورًا من أزمته السياسية يمكن وصفه، في أدبيات العلوم السياسية، بـ «الانسداد الاستراتيجي» أو «أزمة البقاء». فهذا النظام، الذي تأسس على مبدأ احتكار السلطة المطلقة، وإدارة الدولة من أعلى إلى أسفل، وإخضاع أجهزة القمع لقرار مركزي واحد، بات اليوم عاجزًا عن احتواء أزمته المزدوجة، المتمثلة في مجتمع يقف على شفا انتفاضة واسعة، وفي الوقت نفسه أزمة الخلافة التي تتفاقم في قمة هرم السلطة.

إن الصراع الذي يتكشف اليوم بين أجنحة النظام ليس خلافًا حول أساليب الحكم أو برامج الإصلاح، بل هو انعكاس مباشر لحالة الخوف المؤسسي من انهيار النظام. فعندما يواجه نظام سياسي تهديدًا وجوديًا، لا تتكاتف أجنحته بالضرورة لاحتواء الأزمة، بل تميل إلى التنافس على النجاة الفردية أو الفئوية، فيتحول الصراع الداخلي إلى أحد مظاهر تفكك السلطة نفسها. ومن هذا المنطلق، تكشف الضجة التي أثيرت أخيرًا حول استقالة الرئيس مسعود بزشكيان، وما تبعها من سجالات بين الأوساط الأمنية والدينية والتنفيذية، حجم التصدعات التي أصابت البنية الداخلية للنظام.

انفجار خلافات بعد سيرك جنازة: انهيار مسودة تفاهم يدفع نظام الولي الفقيه نحو خيارات انتحارية

بمجرد انتهاء مراسم تشييع جثمان الولي الفقيه السابق علي خامنئي، انفتحت مجدداً الجروح الغائرة للأزمات الداخلية وصراعات الأجنحة المتناحرة في عمق النظام حول مصير مسودة التفاهم المعلقة. ويشن تيار متشدد داخل برلمان السلطة هجوماً عنيفاً على رئيسي السلطتين التنفيذية والتشريعية، حيث طالب الملا حميد رسائي رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف بالإنهاء الرسمي والشامل للمسار الدبلوماسي، مما يدفع النظام نحو انسداد سياسي وخيارات انتحارية.

صراع الأجنحة | مسودة التفاهم | الولي الفقيه | يوليو 2026

 ضجة الاستقالة: انكشاف الانقسام داخل بيت خامنئي والسلطة التنفيذية

تكشف التسريبات المتعلقة باستقالة مسعود بزشكيان أن الصراع لم يعد مقتصرًا على التنافس التقليدي بين الأجنحة، بل امتد إلى الدائرة العليا للسلطة. وقد بدأت هذه الجولة من التوتر عقب التصريحات المثيرة للجدل التي أدلى بها محمد باقر خرازي، الذي يعرّف نفسه بأنه الأمين العام لحزب الله في إيران، وهو من أقارب عائلة خامنئي، إذ زعم أن مجتبى خامنئي وجّه تحذيرًا مباشرًا إلى بزشكيان قائلاً:

«إذا قدم طلب استقالة مرة أخرى، فسيتم قبول تنحيه هذه المرة.»

وسواء صحت هذه الرواية أم لا، فإنها حملت رسالتين سياسيتين واضحتين؛ الأولى أن موقع رئيس الجمهورية أصبح بالغ الهشاشة داخل معادلة السلطة، والثانية أن مركز القرار الفعلي يتركز بصورة متزايدة في بيت المرشد، مع تصاعد الدور السياسي لمجتبى خامنئي.

غير أن الرد السريع المنسوب إلى مكتب مجتبى خامنئي كشف بدوره حجم القلق الذي أثارته هذه التسريبات داخل دوائر الحكم. فقد جاء في البيان:

«إن المادة المنشورة في الفضاء الإلكتروني، والتي يطرح فيها شخص ادعاءً حول رد فعل قائد الثورة الإسلامية على رسالة رئيس الجمهورية المحترم، هي كاذبة ومخالفة للواقع من الأساس.»

وأضاف البيان أن تداول مثل هذه الروايات «يمهد الطريق لإثارة القلق في الرأي العام وإحداث الانقسام والخلاف في المجتمع».

ويعكس هذا الرد بوضوح خشية بيت الولي الفقیه من انتقال صراعات الخلافة إلى المجال العام، وترسيخ الانطباع لدى الرأي العام بأن قمة النظام لم تعد تتمتع بالتماسك الذي سعت طويلًا إلى إظهاره، ولا سيما في ظل الأوضاع الاجتماعية والسياسية المتوترة التي تعيشها البلاد.

موقف بزشكيان: العجز التنفيذي خلف خطاب الصمود

جاء نفي مسعود بزشكيان لشائعات استقالته ليعكس حجم المأزق الذي تعيشه السلطة التنفيذية، المحاصرة بين ضغوط الأجهزة الأمنية ونفوذ بيت المرشد. ففي مقابلته المصورة، قال:

«إذا كنت سأستقيل، فسأعلن رسميًا أنني استقلت. لن أستقيل، سأصمد.»

ورغم أن هذا التصريح بدا ظاهريًا محاولة لنفي الشائعات، فإنه كشف في جوهره عن موقع دفاعي يتخذه رئيس الجمهورية في مواجهة تصاعد الضغوط الداخلية. فبدلًا من معالجة أسباب الجدل، سعى بزشكيان إلى التقليل من شأن الأزمة وإرجاعها إلى ما وصفه بمحاولات «الأعداء» إثارة الانقسام داخل النظام، قائلاً:

«الآن هؤلاء يريدون أن يقولوا ليخلقوا خلافًا مفاده أن القائد يقول شيئًا، وهؤلاء يقولون شيئًا آخر. ما هو واضح لا يحتاج إلى تبيان. نحن لا نعطي المنصب لشخص عاجز.»

ويكشف هذا الخطاب عن محاولة واضحة لدحض الاتهامات المتكررة التي توجهها إليه بعض الأجنحة النافذة، والتي تصوره بوصفه رئيسًا ضعيفًا يفتقر إلى القدرة على إدارة الأزمات. غير أن اضطراره إلى الدفاع عن كفاءته بهذه الطريقة يعكس، في حد ذاته، حجم الضغوط التي يتعرض لها، ويؤكد محدودية هامش الحركة المتاح له داخل بنية السلطة.

وتشير مجمل هذه التطورات إلى أن بزشكيان لم يعد قادرًا حتى على أداء دور الوسيط بين مراكز القوى المتصارعة، إذ أصبح أول من يتحمل تبعات أي إخفاق سياسي أو اقتصادي، في حين تبقى مراكز القرار الحقيقية بمنأى عن المساءلة.

كيف تُفكك تصدعات ما بعد الحرب هيكل النظام الإيراني؟

سارعت طهران إلى ادعاء النصر بعد الحرب بناءً على مغالطة بقاء النظام، غير أن هذا الصمود المزعوم جاء بكلفة تدميرية باهظة تركت بنية السلطة ممزقة بشكل حرج، لا سيما بعد مقتل الولي الفقيه علي خامنئي وتصفية كبار المسؤولين وقادة حرس النظام. وتحول التناحر الفصائلي الداخلي اليوم من صراع تقليدي على النفوذ والحصص إلى معركة وجودية محتدمة حول بقاء النظام نفسه والنهج القادر على حفظ كيان الدولة.

تصدعات ما بعد الحرب | صراع الأجنحة | الولي الفقيه | يوليو 2026

تعميق حرب الأجنحة والتشكيك في مرجعية السلطة

تكشف ردود الفعل التي أعقبت قضية الاستقالة عن مرحلة أكثر حدة من الصراع الداخلي، تجاوزت حدود التنافس السياسي المعتاد إلى التشكيك المتبادل في صدقية المؤسسات الرسمية ومرجعيتها.

وفي هذا السياق، دخل حميد رسائي، عضو البرلمان وأحد أبرز وجوه التيار المتشدد، على خط السجال بسخرية لاذعة، قائلاً:

«الحل بسيط؛ لكي يتضح أن باقر خرازي لم يقل الحقيقة، فليقدم بزشكيان استقالته مرة أخرى، وأنتم انشروا الخبر. عندها سيتضح من يقول الحقيقة؛ خرازي أم بزشكيان.»

ولا تستهدف هذه السخرية شخص بزشكيان وحده، بل تمتد عمليًا إلى التشكيك في الرواية الرسمية الصادرة عن مكتب مجتبى خامنئي. فحين يصبح التكذيب الرسمي نفسه موضع تهكم من داخل أجنحة النظام، فإن ذلك يعكس تآكل الثقة المتبادلة بين مراكز القوة، ويؤشر إلى تراجع قدرة السلطة على الحفاظ حتى على الحد الأدنى من الانضباط السياسي والإعلامي.

وفي المقابل، تناول موقع «نور نيوز»، المقرب من المجلس الأعلى للأمن القومي، القضية من زاوية مختلفة. ففي تقرير بعنوان «كواليس إثارة الضجة الجديدة حول استقالة بزشكيان»، حذر الموقع من التداعيات السياسية والإعلامية لمثل هذه التسريبات، معتبرًا أن تداولها من شأنه أن يشوّه المرجعية الإعلامية الرسمية المتعلقة بمواقف أعلى سلطة في البلاد.

كما دعا الموقع مكتب خامنئي إلى إصدار موقف واضح وسريع، مؤكدًا أن القضية لا تتعلق بمجرد شائعة عن استقالة رئيس الجمهورية، بل تمثل إنذارًا بشأن ما وصفه بـ«تطبيع نسبة المواقف إلى خامنئي خارج القنوات الرسمية».

ويحمل هذا التحذير دلالات تتجاوز مضمونه الإعلامي؛ إذ إن مطالبة وسيلة إعلامية مقربة من المؤسسة الأمنية بتدخل مباشر من مكتب الولي الفقیه تكشف عن إدراك متزايد داخل النظام بأن احتكار رواية الأحداث لم يعد مضمونًا كما كان في السابق.

وعندما تصبح المؤسسة الأمنية نفسها قلقة من تراجع مرجعية الخطاب الرسمي ومن اتساع نطاق التسريبات، فإن ذلك يعكس خللًا متناميًا في منظومة السيطرة السياسية والإعلامية. فكلما احتدم الصراع بين أجنحة السلطة، تراجعت قدرة النظام على الحفاظ على صورته الموحدة، وهو ما ينعكس مباشرة على هيبة الولاية في نظر الرأي العام، ولا سيما في ظل مجتمع يعيش حالة احتقان متصاعدة.

الظروف المتفجرة في إيران: السبب الحقيقي لحرب السلطة

لا يمكن فهم الصراع الدائر في قمة هرم السلطة بمعزل عن الواقع الذي يعيشه المجتمع الإيراني. فحرب الأجنحة داخل نظام ولاية الفقيه ليست حدثًا منفصلًا عن البيئة السياسية والاجتماعية، بل هي انعكاس مباشر لأزمة داخلية آخذة في الاتساع.

وتتجلى هذه الأزمة في استمرار التضخم والانهيار الاقتصادي، وتفاقم الأزمات المعيشية والبيئية، وتآكل ثقة المواطنين بإمكان إحداث أي تغيير من داخل النظام، فضلًا عن تراكم آثار الانتفاضات الشعبية المتعاقبة وما خلّفته من غضب اجتماعي واسع. وفي ظل هذه المعطيات، تبدو إيران اليوم أمام حالة من الاحتقان الشامل، حيث يتصاعد الضغط في المجتمع بالتوازي مع تصاعد القلق داخل مؤسسات الحكم.

لقد بلغ المجتمع الإيراني مرحلة تقترب من نقطة اللاعودة، في الوقت الذي تدرك فيه القيادة السياسية أن أدوات السيطرة التقليدية لم تعد كافية لضمان الاستقرار. ومن هنا، لا يعود تصاعد الخلافات داخل قمة السلطة مجرد تنافس بين أجنحة متصارعة، بل يصبح تعبيرًا عن إدراك مشترك بأن البلاد تتجه نحو مرحلة أكثر اضطرابًا، قد تحمل موجات جديدة من الاحتجاجات والانتفاضات.

وفي أدبيات التحولات السياسية، كثيرًا ما تدخل الأنظمة السلطوية في مرحلة من الانقسام الداخلي عندما تشعر بأن المجتمع يقف على أعتاب تحول ثوري. وعندئذ تنقسم النخب الحاكمة عادة بين اتجاهين متعارضين:

أولًا: اتجاه يدعو إلى تشديد القبضة الأمنية، وتوسيع نطاق القمع، اعتقادًا بأن استخدام القوة بصورة أكثر حسمًا كفيل بإخماد أي حراك شعبي قبل أن يتوسع.

ثانيًا: اتجاه آخر يرى أن الإفراط في القمع قد يؤدي إلى نتائج عكسية، فيدفع نحو تقديم تنازلات تكتيكية أو التضحية ببعض الشخصيات أو المؤسسات، بهدف امتصاص الغضب الشعبي والحفاظ على النظام ككل.

ومن هذا المنظور، يمكن قراءة السجال الذي دار بين محمد باقر خرازي، ومسعود بزشكيان، وحميد رسائي، وموقع «نور نيوز»، وبيت خامنئي. فهذه المواقف المتباينة لا تعكس خلافات شخصية بقدر ما تكشف عن اختلافات عميقة في تقدير حجم المخاطر التي يواجهها النظام، وفي الكيفية التي ينبغي التعامل بها مع المرحلة المقبلة.

إن ما يجمع هذه الأطراف، رغم تناقض مواقفها، هو إدراكها المشترك بأن النظام يمر بواحدة من أكثر مراحله حساسية منذ تأسيسه. أما ما يفرق بينها، فهو اختلافها حول الوسائل الكفيلة بإطالة عمره: فهل يكون ذلك عبر مزيد من التشدد الأمني، أم عبر تقديم تنازلات محدودة لتخفيف الضغوط الداخلية؟

وهكذا، تبدو حرب الأجنحة في جوهرها انعكاسًا لأزمة أعمق من مجرد التنافس على النفوذ؛ إنها تعبير عن ارتباك استراتيجي أصاب بنية الحكم نفسها، في لحظة تتزايد فيها التحديات الداخلية وتتراجع فيها قدرة النظام على فرض صورة التماسك التي طالما سعى إلى ترسيخها.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة