Site icon منظمة مجاهدي خلق الإيرانية

إيران ما بعد حرب واسترضاء: فشلُ استراتيجي لمقاربات خارجية وحتميةُ بديل ديمقراطي داخلي

إيران ما بعد حرب واسترضاء: فشلُ استراتيجي لمقاربات خارجية وحتميةُ بديل ديمقراطي داخلي

إيران ما بعد حرب واسترضاء: فشلُ استراتيجي لمقاربات خارجية وحتميةُ بديل ديمقراطي داخلي

إيران ما بعد حرب واسترضاء: فشلُ استراتيجي لمقاربات خارجية وحتميةُ بديل ديمقراطي داخلي

تُجمع القراءات الاستراتيجية اليوم على أن إيران تمثل التحدي الجيوسياسي والأمني الأكثر إلحاحاً وتعقيداً على الساحة الدولية. ومع ذلك، فإن السؤال المحوري الذي يفرضه هذا الواقع يبقى: ما الحل الحقيقي؟

على مدى عقود، أثبتت مسارات التفاوض ومحاولات استمالة النظام لتعديل سلوكه فشلاً ذريعاً؛ ومؤخراً، أظهرت الحملات العسكرية والضربات الخارجية عجزها عن صياغة نتيجة سياسية مستدامة. ومع ذلك، فإن النقص الفادح في التحليلات السائدة يكمن في إغفال الأسباب الجوهرية والكامنة وراء هذا الفشل المزدوج للمقاربتين (الدبلوماسية والعسكرية).

إن فشل كلا النهجين لم يكن نابعاً من قوة النظام الإيراني وتماسكه، بل تأسس على سوء فهم عميق وجوهري لطبيعة الاستبداد الحاكم باسم الدين؛ فرغبة النظام المستمرة في المماطلة وامتناعه المطلق عن تقديم أي تنازل مرن لا ينبعان من موقع ثقة أو قوة، بل هما تجلٍّ واضح لهشاشة هيكلية عميقة؛ إذ تدرك القيادة الحاكمة في طهران أن تقديم أي تنازل جوهري في الملفات الحيوية سيهدد أسس بقاء النظام وصيغته الوجودية. بناءً على ذلك، فإن تغيير السلوك السياسي للدولة الإيرانية لا يمكن هندسته عبر الاسترضاء الخارجي أو الآلة العسكرية الأجنبية، بل هو مسار يعتمد بالكامل على قوى التغيير الذاتي: الشعب الإيراني ومقاومته المنظمة.

هل عززت الحرب النظام أم أضعفته؟

قبل الخوض في تفاصيل الحل البديل، يبرز سؤال جوهري ومحوري يدور في أروقة مراكز الأبحاث الدولية: هل يثبت بقاء النظام الإيراني واستمراره رغم تعرضه لضربات عسكرية غير مسبوقة قوته ومتانته على المدى الطويل؟

الواقع أن عجز القوى الخارجية عن إسقاط المنظومة الحاكمة يعكس بالدرجة الأولى قصور الاستراتيجية العسكرية المتبعة، ولا يعد دليلاً على متانة النظام؛ فالقوة الجوية والضربات الصاروخية، مهما بلغت دقتها وكثافتها، لم تكن يوماً كافية بمفردها لتفكيك نظام فاشي متجذر يستند إلى ركائز أمنية معقدة. بالإضافة إلى ذلك، لم تكن لدى الولايات المتحدة النية ولا البيئة السياسية الداخلية المناسبة للذهاب نحو تدخل بري واسع النطاق يتطلب مئات الآلاف من الجنود؛ بل إن مثل هذا التدخل البري كان مصيره الفشل حتماً بالنظر إلى المعطيات الجغرافية والبشرية.

إن إيران تفوق العراق في المساحة بثلاثة أضعاف، وتضم كتلة سكانية تقارب ثلاثة أضعاف نظيرتها العراقية، وتتميز بتضاريس جغرافية بالغة التعقيد، فضلاً عن وجود مجتمع يملك حساسية تاريخية ترفض الاحتلال الأجنبي. ولذا، فإن الغزو العسكري لم يكن لينتج استقراراً أو ديمقراطية، بل كان سيقود المنطقة والعالم إلى نفق مظلم من الفوضى المستدامة والتداعيات الكارثية.

ويمكن استعارة تشبيه مجازي هنا لتوضيح هذه المعادلة الاستراتيجية:

نموذج المركبة الخاطئة:

إذا كانت هناك مركبة قوية وسريعة تسير بسرعة فائقة ولكن في الاتجاه الخاطئ، فإن قوتها وسرعتها ومواردها لن تحميها من الفشل ولن تقربها من الهدف؛ وفي المقابل، فإن مركبة متواضعة وبسيطة تسير في الاتجاه الصحيح ستصل إلى غايتها في نهاية المطاف. إن هذا المبدأ ينطبق تماماً على الملف الإيراني؛ فالنجاح لا يتوقف على حجم القوة العسكرية الخارجية المستخدمة، بل على اختيار المسار والنهج الصحيح. وفي الحالة الإيرانية، فإن عجز القوة العسكرية الغربية الساحقة عن إسقاط النظام لا يثبت متانة الأخير، بل يفضح حدود الاستراتيجيات الخارجية التي تغفل الطرف الوحيد القادر على إحداث تحول ديمقراطي مستدام: الشعب الإيراني ومقاومته المنظمة.

لماذا يرفض النظام التراجع رغم الضربات القاسية؟

يتساءل الكثير من المراقبين الدوليين عن السر الكامن وراء تصلب النظام الإيراني ورفضه المطلق لتقديم أي تنازل مرن في ملفاته الحيوية، رغم انكشافه العسكري وعجزه أمام الضربات الغربية؛ فهل يعود ذلك إلى تعصب أيديولوجي أعمى أم إلى سلوك غير عقلاني؟

الواقع يؤكد أن الأيديولوجيا، رغم دورها التوجيهي، ليست المحرك الأساسي لهذا العناد البنيوي؛ فالاعتقاد الخارجي بأن الضغط العسكري المكثف أو حتى تصفية رموز النظام العليا يمكن أن يدفع السلطة للمساومة على برنامجها النووي، أو صواريخها، أو أذرعها الإقليمية، ينم عن قصور في فهم آليات بقاء النظام.

إن استمرار هذا النظام على قيد الحياة يرتكز بالكامل على ثلاث ركائز بنيوية متلاحمة ومترابطة:

  1. القمع الداخلي المفرط والممنهج.
  2. التدخل الإقليمي المستمر وتصدير الأزمات عبر الوكلاء.
  3. الردع الاستراتيجي والبرامج التسليحية الفائقة.

ولا تمثل هذه الركائز مجرد خيارات سياسية مرنة يمكن المناورة بها، بل هي الأعمدة الهيكلية الحاملة لسلطة الولي الفقیه؛ وأي تراجع أو اهتزاز في إحدى هذه الجبهات لن يقود النظام إلى الاستقرار والدبلوماسية، بل سيتحول إلى محفز فوري للتصدع الداخلي وبداية للانهيار السريع. وفي قاموس السياسة الإيرانية، هناك تعبير شائع يصف هذا المأزق بدقة: الانتحار خوفاً من الموت. وتعكس هذه العبارة القناعة الراسخة لدى أقطاب السلطة بأن الخضوع للضغوط الخارجية والتراجع خطوة واحدة إلى الوراء سيكون أكثر تدميراً وقرباً للنهية من مواجهة الحصار والضربات نفسها؛ ولذا فإن العناد والمكابرة هما عقيدة بقاء وليسا مجرد تمسك أيديولوجي.

معضلة مسودة التفاهم وصندوق باندورا

يجب قراءة تعامل النظام مع مسودة التفاهم الأخيرة (MOU) ضمن هذا المنظور الحمائي الحذر؛ فعلى الرغم من الانتقادات الواسعة التي وجهت للمسودة باعتبارها تقدم تنازلات وتسهيلات ملموسة لصالح طهران—وهو ما عزاه البعض إلى رغبة الإدارة الأمريكية في تهدئة أسواق النفط والبورصة وتلافي الضغوط السياسية قبيل انتخابات الكونغرس النصفية—إلا أن السؤال الأكثر إلحاحاً يظل: لماذا تماطل طهران وتعرقل تحويل هذه المسودة المريحة لها إلى اتفاق نهائي وملزم؟

السبب الجوهري يكمن في أن تحويل مسودة التفاهم إلى اتفاق حقيقي وملزم سيفتح على النظام صندوق باندورا (مخزن الشرور والأزمات المترابطة)؛ مما يضعه أمام خيارين أحلاهما مر:

وقد تجلت هذه المعضلة بوضوح في الصراع الفصائلي الحاد داخل أروقة السلطة؛ حيث اتخذ 63 عضواً من مجلس خبراء القيادة—الهيئة الدستورية المعنية بتعيين وعزل الولي الفقیه—خطوة غير مسبوقة بإصدار بيان مشترك يعتبر الملف النووي والسيطرة على مضيق هرمز من الخطوط الحمراء غير القابلة للتفاوض أو المساومة الدبلوماسية. ورغم محاولات الأمانة العامة للمجلس النأي بنفسها عن الصياغة الحادة للبيان لاحقاً، إلا أن تبني 96 عضواً في البرلمان لذات المضمون علناً كشف عن عمق التمرد الداخلي والانسداد المؤسسي الرافض لأي تراجع سياسي.

واقع النظام المتعدد الأزمات

لإدراك حجم المأزق الذي يطوق السلطة، لا بد من تقصي الأزمات الهيكلية المتداخلة التي تعصف بالبلاد؛ فإيران تعيش اليوم تراجعاً اقتصادياً مأساوياً يتمثل في انهيار متسارع لقيمة العملة الوطنية، وبطالة متفشية، وتضخم فلكي جامح، وتمدد رقعة الجوع والفقر بين الملايين برغم الثروات الطبيعية الهائلة للبلاد. وعوضاً عن توجيه مقدرات الدولة نحو التنمية المستدامة وإنقاذ البنية التحتية، قام النظام بتبديد الثروات الوطنية لتمويل البرامج الصاروخية والنووية وشبكات الوكلاء الإقليميين؛ مما أنتج عجزاً مزمناً وكارثياً في قطاعات المياه، والكهرباء، والوقود.

ويترافق هذا التحلل الخدمي مع فساد مستشرٍ في أعلى هرم السلطة، لا سيما داخل مؤسسات حرس النظام والمؤسسات المالية التابعة لمكتب الولي الفقیه؛ مما أدى إلى توسيع الهوة الاجتماعية ودفع بالطبقة الوسطى نحو التلاشي.

وعلى الجانب الاجتماعي، أدى غياب الحريات السياسية، والتدخل السافر في الحياة اليومية للمواطنين، وتحول الجهاز القضائي إلى مقصلة وآلة قتل منظمة لإصدار أحكام الإعدام، إلى خلق مجتمع شديد الاحتقان وقابل للانفجار في أي لحظة. إن هذا التراكم للأزمات يفرض اتخاذ قرار استراتيجي مصيري؛ ولم تكن معضلة مسودة التفاهم سوى انعكاس لهذا التحدي الذي يطالب النظام بتغيير نهجه بالكامل أو مواجهة السقوط. وكان الولي الفقیه السابق (علي خامنئي) يرفض طوال عقود اتخاذ هذا القرار، انطلاقاً من قناعته بأن التراجع سيطلق تأثير الدومينو الذي سينتهي بانهيار المنظومة برمتها.

مأزق الولي الفقیه الجديد: مجتبى خامنئي في مواجهة العاصفة

ورث الولي الفقیه الجديد، مجتبى خامنئي، تركة مثقلة بالأزمات المتفجرة التي عجز والده عن حلها؛ فبينما كان والده يعتمد سياسة تأجيل القرارات الصعبة وتصدير الأزمات، يقف الابن اليوم في مواجهة التداعيات المباشرة بهامش مناورة ضيق وسلطة معنوية وسياسية متآكلة.

فمجتبى لا يملك الشرعية التاريخية ولا الهيبة الدينية التي تمتع بها سلفه لفرض قراراته على الأجنحة المتصارعة؛ كما أن غيابه المستمر عن المشهد العام والشكوك المحيطة بحالته الصحية قد زادت من ضعف موقعه. ومنذ تسلمه السلطة، تصاعدت حرب الأجنحة والذئاب بشكل لافت، لتمثل أزمة مسودة التفاهم مع واشنطن التعبير الأبرز عن هذا الشلل الهيكلي؛ حيث صرّح مجتبى خامنئي بعد 24 ساعة فقط من التوقيع بعبارة كاشفة:

اعتراف التوازن المتآكل:

«إنني، من حيث المبدأ، كان لدي رأي مختلف؛ ومع ذلك، وبناءً على التعهد الذي قدمه لي رئيس الجمهورية المحترم، بصفته رئيساً للمجلس الأعلى للأمن القومي، نيابة عن نفسه وعن الأعضاء الآخرين، بشأن حماية حقوق الشعب الإيراني وجبهة المقاومة، وقبوله صراحة المسؤولية عن ذلك، فقد أصدرت إذناً به».

ويكشف هذا الموقف عن حقيقتين جوهريتين:

وهنا تكمن المعضلة البنيوية لنظام الجمهورية الإسلامية؛ فالنظام قائم بالأساس على فكرة الصلاحيات المطلقة والقدسية للولي الفقیه باعتباره المرجع النهائي القادر على حسم الخلافات وربط مفاصل الدولة؛ وفي غياب هذه المرجعية القوية، يتحول النظام إلى جزر معزولة وعصابات متناحرة تعجل بالتفكك البنيوي.

مسار التغيير الوطني والبديل الديمقراطي

إذا كانت الأزمات الهيكلية للنظام نابعة من الداخل الإيراني، فإن صياغة الحل الحقيقي يجب أن تنطلق من الداخل كذلك. وتؤكد التجارب التاريخية أن الاحتجاجات الشعبية العفوية، مهما اتسعت رقعتها، تعجز عن إسقاط المنظومة الشمولية ما لم تتوفر قوة داخلية منظمة تمتلك الرؤية السياسية والقدرة على القيادة ومواجهة الأجهزة القمعية وطرح البديل الديمقراطي الواعد؛ وتشهد الساحة الإيرانية اليوم نضوجاً متسارعاً لهذه الشروط:

شروط التغيير الستة في إيران

يتوقف حسم الصراع وإسقاط الاستبداد في إيران على تظافر وتكامل ستة شروط موضوعية تتجلى معالمها بوضوح في المشهد الراهن:

استنتاجات استراتيجية حاسمة

تأسيساً على ما تقدم، يمكن صياغة أربعة استنتاجات رئيسية تعيد رسم معالم التعامل الدولي مع الملف الإيراني:

Exit mobile version