من جنازة خامنئي إلى انتفاضة الشارع… الرسالة التي أراد النظام إخفاءها
أراد النظام الإيراني أن يحول مراسم استعراض جثة علي خامنئي إلى مشهد سياسي يعيد من خلاله إنتاج صورة القوة والهيبة، ويوجه رسالة إلى الداخل والخارج مفادها أن انتقال السلطة جرى بسلاسة وأن أركان النظام ما زالت متماسكة. غير أن ما جرى على الأرض كشف صورة مغايرة تماماً، إذ تحولت تلك المناسبة إلى ساحة مواجهة جديدة بين أجهزة القمع من جهة، ووحدات المقاومة والشبان الثوار من جهة أخرى.
لقد اختار النظام أن يواجه حالة القلق التي يعيشها بتكثيف الانتشار الأمني، ونشر آلاف العناصر التابعة للحرس والبسيج، وتوسيع استخدام كاميرات المراقبة ومنظومات التجسس، في محاولة لفرض السيطرة الكاملة على المدن الإيرانية. لكن هذا الانتشار الأمني غير المسبوق لم يمنع بروز موجة جديدة من الأنشطة الثورية التي حملت رسالة واضحة مفادها أن الشارع الإيراني ما زال ميدان الصراع الحقيقي، وأن إرادة التغيير لم تنكسر رغم سنوات القمع والإعدامات.
وفي هذا السياق، جاءت سلسلة عمليات «الوداع الناري» التي نفذتها وحدات المقاومة ووحدات جيش التحرير في عشرات المدن الإيرانية، لتؤكد أن النظام أخفق في احتكار المشهد السياسي والإعلامي. فقد تزامنت عمليات عرض الصور، ورفع الشعارات، والكتابات على الجدران، والأنشطة الثورية في عشرات المواقع، مع اليوم الرابع من استعراض جثمان خامنئي، في رسالة سياسية أرادت أن تقول إن الدعاية الرسمية لا تستطيع حجب حقيقة الأزمة التي يعيشها النظام.
ولم تكن الشعارات التي رددها الشباب مجرد هتافات احتجاجية، بل عكست مضموناً سياسياً واضحاً. فالتأكيد على رفض «ولاية الفقيه» ورفض العودة إلى حكم الشاه في آن واحد، يجسد اتجاهاً متنامياً داخل المجتمع الإيراني يرى أن مستقبل البلاد لا يكمن في إعادة إنتاج أي شكل من أشكال الاستبداد، بل في إقامة جمهورية ديمقراطية تقوم على سيادة الشعب والحرية والمساواة.
كما أن اتساع رقعة هذه الأنشطة، من طهران إلى مشهد، ومن شيراز إلى أصفهان، ومن يزد إلى سنندج، ومن قائم شهر إلى بندر عباس وكاشان وأراك، يكشف أن حالة الاحتجاج لم تعد محصورة في منطقة أو فئة اجتماعية بعينها، وإنما أصبحت ظاهرة تمتد عبر مختلف المدن الإيرانية، رغم القبضة الأمنية المشددة.
ويكتسب تنفيذ هذه العمليات تحت أعين أجهزة الأمن وكاميرات المراقبة دلالة خاصة، إذ يعكس استمرار قدرة وحدات المقاومة على الحركة والعمل في أكثر الظروف تعقيداً، ويؤكد أن أدوات القمع، مهما توسعت، لم تنجح في القضاء على شبكات المقاومة أو في كسر إرادة الشباب الساعي إلى التغيير.
لقد أنفق النظام إمكانات هائلة على تحويل مراسم تشييع خامنئي إلى استعراض سياسي، أملاً في ترميم صورته بعد سلسلة الأزمات التي تعرض لها، لكنه وجد نفسه أمام واقع مختلف. فبدلاً من أن تتحول المناسبة إلى إعلان عن مرحلة جديدة من الاستقرار، أصبحت مناسبة كشفت استمرار المواجهة بين السلطة والمجتمع، وأظهرت أن جذوة الاحتجاج ما زالت متقدة تحت سطح المشهد الأمني.
إن الرسالة التي حملتها هذه الأنشطة تتجاوز المناسبة نفسها. فهي تعكس استمرار الرهان على المقاومة المنظمة باعتبارها أحد العناصر الفاعلة في معادلة التغيير داخل إيران، وتؤكد أن محاولات النظام توظيف المناسبات الرسمية والدعاية السياسية لإظهار التماسك لن تنجح في طمس واقع الانقسامات الداخلية، ولا في إخفاء حالة السخط الشعبي المتنامية.
وبينما يسعى النظام إلى فرض صورة الاستقرار بالقوة، تشير الوقائع إلى أن معركته الأساسية لم تعد مع الخارج، بل مع مجتمع يزداد رفضاً للاستبداد، ومع جيل جديد يواصل تحدي أجهزة القمع، مؤمناً بأن مستقبل إيران لا يصنعه استعراض القوة، بل إرادة شعب يتطلع إلى الحرية والديمقراطية. ومن هنا، تبدو كل محاولة لاحتكار الشارع أو إسكات الأصوات المعارضة مجرد تأجيل لمواجهة يفرضها واقع سياسي واجتماعي يزداد احتقاناً يوماً بعد يوم.
- من جنازة خامنئي إلى انتفاضة الشارع… الرسالة التي أراد النظام إخفاءها

- المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية يرسم معالم مرحلة ما بعد ولاية الفقيه
- التهدئة مع واشنطن… مهلة مؤقتة أم بداية النهاية؟
- بعد التفاهم مع واشنطن… نظام ولاية الفقيه في معركة البقاء
- التطاول على دول المنطقة استراتيجية بقاء لنظام الملالي
- الثائرون في الداخل وتظاهرة باريس: وجهان لمعركة التغيير
