قواسمُ مشتركة بين نظام الملالي ونظام الشاه
رفعت التحولات السياسية التي شهدتها إيران خلال العقد الماضي، أكثر من أي وقت مضى، الستار عن استراتيجيات البقاء التي تعتمدها القوى الشمولية والاستبدادية؛ حيث يكشف تحليل سلوك أجنحة السلطة—سواء النواة المركزية لـ نظام الملالي الحالي أو تيارات اليمين المتطرف الموالية لـ نظام الشاه—عن نمط سلوكي ونفسي مشترك: وهو استغلال الأزمات، والتوترات، والحروب الخارجية لتثبيت النفوذ أو استعادة السلطة المفقودة. ويتركز المفهوم المركزي لهذا التحليل على رصد الدور الذي تلعبه شخصيات مثل مجتبى خامنئي في بنية ولاية الفقيه، والتيارات الموازية له في طيف أنصار الشاه، والذين يرون حياتهم السياسية مرهونة باستمرار مناخ الأزمات.
انفجار خلافات بعد سيرك جنازة: انهيار مسودة تفاهم يدفع نظام الولي الفقيه نحو خيارات انتحارية
بمجرد انتهاء مراسم تشييع جثمان الولي الفقيه السابق علي خامنئي، انفتحت مجدداً الجروح الغائرة للأزمات الداخلية وصراعات الأجنحة المتناحرة في عمق النظام حول مصير مسودة التفاهم المعلقة. ويشن تيار متشدد داخل برلمان السلطة هجوماً عنيفاً على رئيسي السلطتين التنفيذية والتشريعية، حيث طالب الملا حميد رسائي رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف بالإنهاء الرسمي والشامل للمسار الدبلوماسي، مما يدفع النظام نحو انسداد سياسي وخيارات انتحارية.
محرقة الحرب وتثبيت سلطة الولي الفقيه الجديد
سلكت بنية القوة في نظام الملالي خلال السنوات الأخيرة مساراً واضحاً لتمهيد طريق الخلافة؛ وفي هذا اللغز المعقد، برز مجتبى خامنئي كأحد أهم عناصر الكواليس، وهو بحاجة ماسة إلى أدوات تضمن مشروعيته وهيمنته في مرحلة ما بعد والده. وتحولت التجمعات الحكومية المنظمة، ومراسم تشييع خامنئي الصاخبة، والاستعراضات الشوارعية المرتبطة بها تحت شعارات الانتقام، الانتقام، إلى وقود لإبقاء تنور الحرب الخارجية مشتعلاً.
وتؤدي هذه الاستعراضات الدموية ومسرحيات تشييع الجثامين وظيفة مزدوجة ثنائية الأبعاد:
- داخلياً: قمع أي صوت ناقد وفرض مناخ أمني خانق تحت ذريعة شرط الظروف الحربية والطوارئ.
- خارجياً: تثبيت موقع مجتبى خامنئي باعتباره الولي الفقيه الجديد بين عصابات السلطة، عبر إذكاء الحروب الخارجية وإدامتها في المنطقة.
والواقع يؤكد أن الوريث الجديد لنظام الملالي، تماماً كوالده، يحتاج لحفظ بقائه إلى صناعة عدو دائم وأزمة مستمرة؛ فبدون وجود شبح الحرب، يصبح من المستحيل تبرير الفشل الاقتصادي الذريع، والفساد الهيكلي المستشري، والقمع الاجتماعي الممنهج. بناءً على ذلك، فإن محرقة الحرب هي المكان الدقيق الذي تُطبخ فيه هيمنة مجتبى خامنئي وتُثبّت أركانها.
التناظر الاستراتيجي بين ابن خامنئي وابن الشاه
تتمثل إحدى النقاط الجوهرية في تحليل السيكولوجية السياسية للقوى السلطوية في التناظر والتشابه غير المحدود بين استراتيجياتها؛ فكما يرى وريث نظام الملالي مستقبله مرهوناً بإعادة إنتاج الأزمات والحروب، تتغذى بقايا نظام الشاه من البيئة والمستنقعات ذاتها للعودة إلى السلطة.
طبيعة البيئة الحيوية للتيارات الشمولية:
يدرك كلا الطرفين جيداً أنهما لا يملكان أي فرصة أو مستقبل في ظل مناخ ديمقراطي، هادئ، عقلاني، وقائم على صناديق اقتراع شفافة ونزيهة؛ ولذا يجب أن يظل الفضاء غبارياً، مأزوماً، وملغماً بالحروب كي يتمكن ‘المنقذون الذاتيون’ من الظهور على المسرح. وتشير تحركات ومواقف الطرفين في السنوات الأخيرة إلى ترحيب استباقي بالصدامات العسكرية والعقوبات القاصمة؛ إذ يمنح استمرار شبح الحرب فوق رأس إيران كلا التيارين الفرصة لتقديم نفسيهما كخيارات وحيدة متاحة: أحدهما في ثوب المدافع عن الأمن، والآخر في مساحيق المنقذ الغربي. إنها حالة تعايش تكتيكي وتكامل وجودي مبني بالكامل على تدمير المصالح الوطنية العليا.
كيف تُفكك تصدعات ما بعد الحرب هيكل النظام الإيراني؟
سارعت طهران إلى ادعاء النصر بعد الحرب بناءً على مغالطة بقاء النظام، غير أن هذا الصمود المزعوم جاء بكلفة تدميرية باهظة تركت بنية السلطة ممزقة بشكل حرج، لا سيما بعد مقتل الولي الفقيه علي خامنئي وتصفية كبار المسؤولين وقادة حرس النظام. وتحول التناحر الفصائلي الداخلي اليوم من صراع تقليدي على النفوذ والحصص إلى معركة وجودية محتدمة حول بقاء النظام نفسه والنهج القادر على حفظ كيان الدولة.
الضحية الأكبر لِلعبة طالبي السلطة
يظل الشعب الإيراني والوحدة الترابية للبلاد هما الضحية الأكبر لهذه اللعبة الموازية؛ فبالنسبة لأولئك الذين يتمثل هدفهم الأسمى في كسب أو حفظ السلطة بأي ثمن، لا تحظى مؤشرات الرفاه، وأرواح البشر، وتدمير البنى التحتية، والانهيار الاقتصادي بأي أهمية تُذكر.
وإذا ما تمت العودة إلى سجل أداء نظام الملالي ونظام الشاه، يتجلى ترجيع بند مشترك وصارخ: السلطة والحكم ولا شيء غيرهما. وأي بلاء يحل بالمجتمع، لا يعدو من منظورهم سوى تحديات هامشية وجانبية في مسار الوصول إلى الهدف الأساسي المتمثل في العرش أو المنبر؛ وتحت ظلال هذه الأطماع العميقة، تُذبح مقومات الحياة من فقر مطلق، وهجرة جماعية للنخب، وتدمير شامل لبيئة إيران.
العبور الحقيقي والمستدام نحو الديمقراطية
إن مستقبل إيران ليس مرهوناً بإشعال تنور الحروب لنظام الملالي، ولا هو معلق بأمنيات العودة إلى استبداد الماضي؛ فالإسقاط السياسي لمشروع مجتبى خامنئي لتثبيت سلطته عبر مسرحيات تشييع الجثامين والشعارات الحربية، يتطابق تماماً في التموقع مع توجهات التيارات السلطوية في المعارضة التي تبحث عن التغيير عبر قنوات الحرب والتفتيت الممنهج.
ولقد وصل المجتمع الإيراني الواعي اليوم إلى قناعة تامة بضرورة العبير فوق ابن الشاه وابن الشيخ معاً؛ فكلا التيارين يضحيان بمستقبل البلاد من أجل بقاء هياكلهما الذاتية الحصر. إن الانتقال الحقيقي والمستدام نحو الديمقراطية لا يمر عبر قرع طبول الحرب وإعادة إنتاج الديكتاتوريات، بل ينبع من نفي وإسقاط كافة أشكال المطلق والاستبداد (سواء في عباءة الملالي أو تحت لواء نظام الشاه)، وإرساء قيم السلام، والحرية، والسيادة المطلقة لجمهور الشعب.
- السيدة مريم رجوي ترحب بخطوة الحكومة البريطانية لإدراج قوات حرس النظام الإيراني في قائمة الإرهاب
- احتجاجات عمالية ومعيشية تشمل طهران وعدة محافظات
- بريطانيا تدرج قوات الحرس للنظام الإيراني على قائمة التنظيمات الإرهابية
- قواسمُ مشتركة بين نظام الملالي ونظام الشاه

- مستقبلُ إيران بعد غياب خامنئي: هل تملك منظومة مأزومة قدرة على استجابة لمطالب الشارع؟
- ارتفاع أسعار الخبز يدفع أزمة تكلفة المعيشة في إيران إلى نقطة الانفجار
