كيف تُفكك تصدعات ما بعد الحرب هيكل النظام الإيراني؟
في أعقاب الحرب التي اندلعت بين الولايات المتحدة وإسرائيل والنظام الإيراني، سارعت طهران إلى ادعاء النصر بناءً على مغالطة أن النظام لم يسقط؛ غير أن هذا الادعاء يستند إلى فرضية باطلة. وفي واقع الأمر، يمثل هذا الصمود انتصاراً بيروسياً (نصراً مكلفاً للغاية)—وهو بقاءٌ جرى انتزاعه بكلفة تدميرية باهظة تركت بنية السلطة المركزية للنظام ممزقة بشكل حرج.
وأسفرت الحرب عن مقتل(علي خامنئي)، إلى جانب تصفية المسؤولين السياسيين الأعلى رتبة في النظام والقيادات العليا لـ حرس النظام. وبينما كان التناحر الفصائلي ميزة ملازمة لتاريخ النظام على مدار أكثر من 40 عاماً، إلا أن تلك الصراعات الماضية كانت تتمحور أساساً حول تقاسم حصص القوة والنفوذ؛ أما اليوم، فقد تحول الشرخ الداخلي إلى مسار مغاير تماماً: إنها معركة وجودية حول بقاء النظام نفسه، وصراع محتدم حول أي نهج سياسي وأي فصيل يملك القدرة على حفظ كيان الدولة.
ولم يفلح هذا الاجتثاث للحرس القديم في توحيد المنظومة أمام التهديد الوجودي؛ بل على العكس، تُشير الدلائل الداخلية إلى ضائقة اقتصادية خانقة، ومجتمع شديد الغليان، وتفتت واضح في صفوف النخبة الحاكمة. والأهم من ذلك كله، أن الأزمة قد وصلت إلى الركيزة الأساسية للنظام: ولاية الفقيه (الحكم الديني المطلق). ولم يعد الخلاف مقتصراً على مسألة التفاوض مع الولايات المتحدة من عدمه، بل تحول إلى صراع حول ما إذا كان مجتبى خامنئي—الذي جرى تقديمه كـ الولي الفقيه الجديد في أعقاب وفاة والده—يمتلك السلطة الكافية لفرض خط سياسي موحد على بقية أجنحة النظام المتصارعة.
النظام الإيراني بين الحرب والسلام… مأزق وجودي لا مخرج منه
أعاد الهجوم الأخير للنظام الإيراني على السفن في مضيق هرمز، بعد إعلان وقف إطلاق النار، طرح تساؤلات جوهرية حول مدى قدرته على السير نحو سلام مستدام. ويؤكد التحليل أن ملف التفاوض مع واشنطن لم يعد مجرد مسألة خارجية، بل تحول إلى أعنف ساحة صراع داخل هرم السلطة؛ إذ يمس أي تراجع بالأسس الأيديولوجية لنظام الولي الفقيه، لتصبح القضية صراعاً مصيرياً يرتبط مباشرة بجوهر النظام ومستقبل بقائه.
ويمكن رصد خمسة مظاهر أساسية تلخص هذا التفتت الهيكلي:
الرقابة الإعلامية الرسمية والتسريبات
- حادثة 4 يونيو/حزيران: فرضت مؤسسة الإذاعة والتلفزيون الرسمية (IRIB) رقابة على رسالة مجتبى خامنئي في ذكرى خميني، وحذفت منها تحذيرات موجهة ضد التطرف الذاتي. ووصفت الفصائل المنافسة هذا الإجراء بأنه انقلاب إعلامي ضد مكتب الولي الفقيه، مما أجبر التلفزيون الرسمي لاحقاً على بث النص الكامل تحت ذريعة وجود خطأ فني في المونتاج. ولم تسلم حتى الرسالة المكتوبة لـ الولي الفقيه الجديد من مقص الرقيب في الهيئة الرسمية.
- قطع البث في 20 يونيو/حزيران: قام عضو البرلمان المتشدد، محمود نبويان، بقراءة أجزاء من مراسلات شديدة السرية على الهواء مباشرة، تفصل انتقادات مجتبى خامنئي للمفاوضات. وجرى قطع البث التلفزيوني فجأة، واتهم القسم السياسي في التلفزيون الرسمي النائب بالإشارة المشوهة إلى وثائق سرية.
- مقابلة قاليباف في 30 يونيو/حزيران: قطع التلفزيون الحكومي بشكل مفاجئ مقابلة مسجلة مع رئيس البرلمان والمفاوض الرئيسي محمد باقر قاليباف أثناء شرحه لبنود الاتفاق (رفع الحصار، الأصول المجمدة، وقرض إعادة الإعمار البالغ 300 مليار دولار). ورغم تذرع التلفزيون بوجود خلل فني، فإن الواقع السياسي كان واضحاً: المفاوض الرسمي للنظام تعرض للرقابة من قِبل منظومته ذاتها.
تسيير كلمات الولي الفقيه وتحويلها إلى سلاح
- رسالة 18 يونيو/حزيران: أصدر مجتبى خامنئي بياناً بشأن التفاهم مع الولايات المتحدة تضمن عبارة محورها: في الأصل، كان لدي رأي مختلف. وتلقف المتشددون (بمن فيهم حسين شريعتمداري من صحيفة كيهان) هذه العبارة ليجادلوا بأن الحكومة والمجلس الأعلى للأمن القومي قد تجاوزوا الولي الفقيه أو ضغطوا عليه. وحولوا كلماته إلى سلاح ضد الفريق المفاوض، مطالبين بفرض خطوط حمراء صارمة (السيطرة على مضيق هرمز، إلغاء العقوبات، والحدود النووية). وفي المقابل، جادل المؤيدون بأن الرسالة تمنح الشرعية للعملية برمتها. إن استخدام الطرفين لنفس الجملة ضد بعضهما البعض يثبت أن كلمة الولي الفقيه الجديد لم تعد تعمل كأمر نهائي ملزم للجميع.
التمرد المؤسسي العلني
- الضغط البرلماني: في شهر يونيو/حزيران، كتب 96 عضواً في البرلمان رسالة مباشرة إلى مجتبى خامنئي يجادلون فيها بأن المحادثات مع الولايات المتحدة ضارة بالبلاد؛ مستحضرين دين الدم جراء تصفية علي خامنئي وضحايا الحرب، وطالبوا بالانتقام العسكري. ومثّل هذا تحركاً صريحاً من داخل النظام لإملاء الخط السياسي على الولي الفقيه الجديد.
- تفتت المجلس الأعلى للأمن القومي: كشف نبويان في 22 يونيو/حزيران أن 12 من أصل 13 عضواً في المجلس الأعلى للأمن القومي دعموا التفاهم مع الولايات المتحدة، تاركين المتشدد سعيد جليلي كمعارض وحيد. وبدلاً من تنسيق الأمن الاستراتيجي، تحول المجلس إلى حلبة صراع فصائلي حول التفسير الحقيقي لمراد مجتبى خامنئي.
- تحدي مجلس خبراء القيادة: في 29 يونيو/حزيران، أصدر 63 عضواً من مجلس خبراء القيادة—وهي الهيئة المكلفة دستورياً بتعيين الولي الفقيه والإشراف عليه—خطوطاً حمراء سياسية صارمة بشأن المفاوضات، وهو موقف أيده 84 نائباً في 2 يوليو/تموز. وبدلاً من إظهار الطاعة المطلقة، حاول المجلس فرض معايير محددة تقيد موقف مجتبى خامنئي.
التصعيد الأيديولوجي والوجودي
- اتهامات شبه الانقلاب: في 2 يوليو/تموز، اتهم عضو البرلمان غضنفري رئيس النظام مسعود بزشكيان ورئيس البرلمان قاليباف بتنفيذ شبه انقلاب سياسي لتعزيز نفوذ المجلس الأعلى للأمن القومي على حساب إضعاف دور الولي الفقيه والبرلمان.
- تحدي صلاحيات المكتب: في اليوم نفسه، أثار نائب الرئيس، محمد جعفر قائم بناه، جدلاً واسعاً بتصريحه بأنه إذا كان كل ما يقوله الولي الفقيه يجب أن يُنفذ ببساطة دون مراجعة، فإن مؤسسات الدولة مثل البرلمان تصبح فائضة عن الحاجة. واستدعى هذا التصريح إدانات عنيفة من صحيفة كيهان وأئمة صلاة الجمعة (أحمد خاتمي وأحمد علم الهدى)، الذين أعادوا التأكيد على أن الطاعة المطلقة للولي الفقيه أمر غير قابل للنقاش.
جنازة خامنئي في النجف وكربلاء… رسالة سياسية تسيء إلى سيادة العراق
يعتزم النظام الإيراني نقل جثة الولي الفقيه السابق علي خامنئي إلى العراق لإقامة مراسم في النجف وكربلاء، وسط انتقادات واسعة اعتبرت الخطوة استغلالاً سياسياً وإهانة للشعبين الإيراني والعراقي تسيء لسيادة العراق. وبدلاً من حشد الأنصار وتوحيد الصفوف، تحولت مراسم التشييع في الداخل إلى ساحة لتفجر الصراعات بين أجنحة السلطة المتناحرة، حيث شهدت توجيه هتافات لاذعة ضد مسعود بزشكيان ووزير خارجيته عباس عراقجي.
الشروخ العامة والعسكرية
- تسييس الجنازة الرسمية: خلال مراسم تشييع علي خامنئي في 4 يوليو/تموز، استغل الحاضرون من التيار المتشدد المنصة للاحتجاج ضد الحكومة، مرددين شعارات الموت للمساوم وحاملين لافتات تطالب بالعودة إلى الرؤية الحقيقية للولي الفقيه. والحدث الذي أُريد منه إظهار الوحدة، عرّى بدلاً من ذلك انقسامات فصائلية حادة.
- تصدعات قسرية داخل الحرس: في 4 يوليو/تموز، أصدر عبد الله حاجي صادقي، ممثل الولي الفقيه في حرس النظام، توجيهاً عاجلاً للقادة وعناصر الحرس والباسيج؛ وأمرهم فيه بقبول رسالة مجتبى المؤرخة في 18 يونيو/حزيران ككلمة فصل وأخيرة، محذراً من التهم الداخلية بالخيانة أو التقصير—وهو ما يؤكد أن الشرخ السياسي لما بعد الحرب قد تغلغل في عمق الأجهزة الأمنية والعسكرية الحيوية للنظام.
خلاصة المشهد وأزمة المشروعية البنيوية:
يبرهن الوزن التراكمي لهذه التصدعات على أن أزمة النظام في مرحلة ما بعد الحرب هي أزمة هيكلية وبنيوية وليست سطحية عابرة. إن غياب الحرس القديم، بما في ذلك الولي الفقيه وأركان السلطة والقيادة العليا لـ حرس النظام، لم يختبر تماسك المنظومة فحسب، بل سحق الإجماع الذي كان يربط أجنحتها المتنافسة سابقاً. ومع ممارسة الإعلام الرسمي لرقابة غير مسبوقة، ومجاهرة المؤسسات بمناقشة حدود الحكم الديني المطلق، وظهور شروخ داخل المؤسسة الأمنية نفسها، يواجه النظام الإيراني مأزقاً وجودياً؛ حيث لم يثمر البقاء سوى عن مرحلة من الهشاشة غير المسبوقة، باتت فيها ركيزة ‘ولاية الفقيه’ نفسها موضع تشكيك ونزاع صريح من الداخل.
- إل دياريو الإسباني: جنازة خامنئي لا يمكنها إعادة كتابة تاريخه الحافل بالانتهاكات
- كيف تُفكك تصدعات ما بعد الحرب هيكل النظام الإيراني؟

- شبكة سي إن إن: سلطنة عمان تطرح خطة لإنشاء مسارين ملاحيين مستقلين في مضيق هرمز
- انفجارُ خلافات بعد سيرك جنازة: انهيار مسودة تفاهم يدفع نظام الولي الفقيه نحو خيارات انتحارية
- تصاعد موجة احتجاجات مطلبية وعمالية في إيران
- وحدات المقاومة تنفذ 40 عملية ميدانية وتؤكد أن دفن خامنئي هو ميلاد جديد لانتفاضة
