النظام الإيراني بين الحرب والسلام… مأزق لا مخرج منه
أعاد الهجوم الذي شنه النظام الإيراني على السفن في مضيق هرمز، بعد الإعلان عن وقف إطلاق النار وبالتزامن مع تصاعد التوترات الجديدة مع الولايات المتحدة، طرح سؤال جوهري أمام المراقبين: هل يمتلك هذا النظام، أساساً، الإرادة أو القدرة على السير نحو السلام، أو حتى تثبيت وقف إطلاق نار مستدام مع الولايات المتحدة ودول المنطقة؟
الحقيقة أن ملف التفاوض مع الولايات المتحدة لم يعد مجرد قضية من قضايا السياسة الخارجية أو ملفاً مرتبطاً بالبرنامج النووي، بل تحول إلى أخطر ساحة صراع داخل هرم السلطة في إيران. فكل خطوة تراجع أمام واشنطن تمس بصورة مباشرة الأسس الأيديولوجية والسياسية التي قام عليها النظام. ومن ثم، لم يعد التفاوض خياراً تكتيكياً، وإنما أصبح قضية ترتبط بجوهر النظام ومستقبل بقائه.
إن تغيير النهج تجاه الولايات المتحدة يفرض على النظام ثمناً يتجاوز بكثير مجرد قبول اتفاق سياسي. فهو يعني التخلي عن مشروع امتلاك السلاح النووي، وتقليص أو التخلي عن شبكة الوكلاء في المنطقة، والتراجع عن الاستراتيجية التي بنى عليها النظام بقاءه طوال ما يقرب من خمسة عقود. وبعبارة أخرى، سيكون عليه التخلي عن أهم أدوات الردع التي استخدمها للحفاظ على سلطته في الداخل وتعزيز نفوذه في الخارج.
ولهذا يجد النظام نفسه اليوم أمام مأزق حقيقي في علاقته مع الولايات المتحدة. فالقضية الأساسية لم تعد تتعلق بنص أي مذكرة تفاهم أو اتفاق محتمل، بل بما يترتب عليها من استحقاقات سياسية وأمنية واستراتيجية. والسؤال الحاسم هو: إلى أي مدى يستطيع النظام تقديم التنازلات؟ وما هو الحد الذي يمكن أن يتراجع عنده من دون أن يمس أسس بقائه؟ إن الإجابة عن هذا السؤال هي التي سترسم مستقبل النظام في المرحلة المقبلة.
لقد وجد النظام نفسه عند مفترق طرق لا يخلو أي من مساريه من المخاطر. فالحرب تستنزفه وتعمق أزماته، بينما يفرض السلام عليه مواجهة التناقضات البنيوية التي ظل يؤجلها طوال السنوات الماضية. وفي هذا السياق، أكد السيد مسعود رجوي، قائد المقاومة الإيرانية، في رسالته الأخيرة أن مجتبى خامنئي سيرجح في نهاية المطاف خيار الحرب على خيار السلام، لأن وقف إطلاق النار الدائم أو السلام المستقر سيضعه أمام الاستحقاقات نفسها التي عجز علي خامنئي عن معالجتها، ولجأ بدلاً من حلها إلى سياسة شراء الوقت وتأجيل الأزمات.
ومن هذا المنظور، فإن استخدام عبارة «علي الأصول» في رسالة مجتبى خامنئي لا يعكس موقفاً حاسماً بقدر ما يكشف عن حالة من التردد والارتباك والعجز عن تحديد الاتجاه الذي ينبغي أن يسلكه النظام في المرحلة المقبلة.
وتؤكد تجربة العقود الأربعة الماضية هذه الحقيقة. فعلى الرغم من الفرص الاستثنائية التي أتيحت لعلي خامنئي خلال فترتي إدارتي باراك أوباما ثم جو بايدن لتخفيف التوتر مع الغرب، فإنه لم يكن مستعداً لاتخاذ القرار الاستراتيجي المطلوب، لأنه كان يدرك أن كلفة هذا التحول تتجاوز حدود أي اتفاق سياسي، وتمثل بداية مرحلة من التآكل الداخلي قد تهدد ركائز النظام نفسه.
ولعل الأجواء التي سادت مراسم تشييعه تعكس هذه الحقيقة بوضوح. فبدلاً من أن تكون مناسبة للحديث عن السلام أو خفض التوتر، هيمنت عليها شعارات الثأر والدعوات إلى الانتقام، ووصل الأمر إلى إطلاق دعوات لاستهداف الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، بما يعكس استمرار الخطاب التصعيدي الذي شكّل أحد أعمدة سياسة النظام.
ومن ناحية أخرى، فإن تنفيذ أي تفاهم محتمل لن يكون مهمة سهلة بالنسبة للنظام. فالعقبة لا تكمن في اتخاذ القرار السياسي فحسب، بل في القدرة على تنفيذ الالتزامات المترتبة عليه. وقد أقر مسؤولون في النظام بأن الحصار البحري فرض ضغوطاً على البنية الاقتصادية واللوجستية كانت أشد وطأة من الضربات الجوية، وكان أحد الأسباب التي دفعت طهران إلى القبول بالتفاهم. ورغم أن بعض الإعفاءات التي منحتها الولايات المتحدة خففت جانباً من الضغوط، فإنها لم تعالج أياً من الأزمات البنيوية التي يعانيها النظام.
ومن هنا، فإن الأزمة الراهنة لا تقتصر على التضخم أو البطالة أو انهيار العملة الوطنية، فهذه ليست سوى مظاهر لأزمة أعمق ترتبط بطبيعة النظام وبنيته. واليوم وصلت ثلاثة ملفات مصيرية إلى مرحلة الحسم: العلاقة مع الولايات المتحدة، والبرنامج النووي، ومستقبل شبكة الوكلاء الإقليميين. ولم يعد بمقدور النظام، كما كان يفعل في السابق، تأجيل البت في هذه الملفات عبر شراء الوقت.
لقد حرص خميني، قبل موته، على ألا يورث خليفته أزمتين كبيرتين: فقد أنهى الحرب العراقية الإيرانية بقبول وقف إطلاق النار، فيما عُرف بـ«تجرع كأس السم»، كما سعى، من خلال مجزرة عام 1988، إلى القضاء على ما اعتبره آنذاك التهديد المباشر لبقاء النظام. أما مجتبى خامنئي، فيواجه اليوم ملفات أكثر تعقيداً، وهي ملفات لم يستطع علي خامنئي نفسه إيجاد حلول لها، واكتفى بتأجيلها من مرحلة إلى أخرى.
لذلك، فإن السؤال الحقيقي اليوم ليس ما إذا كان النظام سيدخل في مفاوضات أم لا، وإنما ما إذا كان يمتلك القدرة على دفع الثمن السياسي والأمني الذي يتطلبه خيار السلام. وما دامت الإجابة عن هذا السؤال سلبية، فإن المنطقة ستبقى عرضة لدورات جديدة من التوتر، وستظل سياسة الأزمات والمغامرات إحدى السمات الأساسية لسلوك نظام ولاية الفقيه.






