الرئيسيةأخبار إيرانأوهامٌ دبلوماسية حول استقرار طهران: لماذا تعجز المفاوضات عن ترميم أزمة الشرعية؟

أوهامٌ دبلوماسية حول استقرار طهران: لماذا تعجز المفاوضات عن ترميم أزمة الشرعية؟

0Shares

أوهامٌ دبلوماسية حول استقرار طهران: لماذا تعجز المفاوضات عن ترميم أزمة الشرعية؟

قد يفلح الانخراط الدبلوماسي في تخفيف حدة التوترات الخارجية، لكنه يعجز تماماً عن ترميم أزمة الشرعية الهيكلية، وصراع الأجنحة المحتدم، والرفض الشعبي العارم الذي بات يهدد نظام الولي الفقيه من داخله بشكل متزايد.

إن احتمالية تجدد المفاوضات بين طهران وواشنطن قد غذت مرة أخرى التكهنات بأن تحقيق انفراجة دبلوماسية جديدة قد يضمن استقرار النظام الإيراني؛ ومع ذلك، فإن التاريخ يشير إلى عكس ذلك تماماً. فحتى لو توصل الجانبان إلى اتفاق مؤقت أو طويل الأمد، فإن التهديد الأكبر للنظام لم يعد نابعاً من العزلة الدولية، بل إنه يتدفق بقوة من الداخل.

إعلام النظام يعترف: جنازة خامنئي كشفت أزمة النظام وعزلته داخليًا وخارجيًا

اعترف موقع «رويداد 24» المقرب من النظام الإيراني بفشل مراسم تشييع الولي الفقيه علي خامنئي في تحقيق الأهداف السياسية والإعلامية المنشودة، مؤكداً أنها تحولت إلى اختبار حقيقي كشف عن أزمة النظام وعزلته داخلياً وخارجياً بدلاً من استعراض التماسك والقوة. وأشار التقرير إلى فرض إجراءات أمنية مشددة في طهران وإسناد إدارة الأمن لقوات الحرس، مما يعكس حجم المخاوف الأمنية العميقة التي أحاطت بالمراسم.

اعترافات الإعلام | الولي الفقيه | يوليو 2026

وعلى مدى عقود، نظر صناع السياسات الغربيون إلى أزمات إيران في المقام الأول من خلال عدسة العقوبات، والمفاوضات النووية، والأمن الإقليمي. غير أن أحداث عام 2026 كشفت عن واقع مغاير تماماً؛ إذ يواجه النظام الآن أزمة محلية عميقة الجذور، تتغذى على تآكل المشروعية، وتصاعد صراع الأجنحة، والتدهور الاقتصادي، ووجود مجتمع بات أكثر تنظيماً ويرفض بشكل قاطع استمرار الوضع الراهن. وبناءً على ذلك، قد يؤجل أي اتفاق دبلوماسي المواجهة في الخارج، لكنه لن يملك القدرة على عكس الديناميكيات السياسية الآخذة في التبلور داخل إيران.

الأزمة الحقيقية محلية وليست دبلوماسية

إن الافتراض بأن تخفيف العقوبات أو تطبيع العلاقات مع الولايات المتحدة يمكن أن يضمن استقرار النظام ينطوي على سوء فهم عميق لطبيعة الأزمة الراهنة؛ فالقيادة الإيرانية تواجه اليوم تحديات مركبة لا يمكن لأي اتفاق خارجي أن يحلها بالتزامن.

وتخرج البلاد من أتون الحرب الأخيرة وهي أضعف بكثير مما كانت عليه قبل أشهر قليلة فقط؛ فإلى جانب التكاليف العسكرية والاقتصادية الهائلة، فقد النظام قادة كباراً، وشهد تآكلاً واسعاً في قوة ردعه الإقليمية، ويواجه ضغوطاً مالية واجتماعية متصاعدة في الداخل. والأهم من ذلك كله، أن وفاة علي خامنئي قد غيّبت الشخصية المركزية التي شكلت على مدى عقود المصدر النهائي للسلطة الأيديولوجية والتماسك المؤسسي للنظام. وبغض النظر عمن خلفه في منصبه، فإن ملء هذا الفراغ وإعادة إنتاج هذا الدور يعد معضلة بسا أكثر تعقيداً من مجرد استبدال منصب سياسي، حيث كشفت مرحلة انتقال السلطة عن شروخ وتصدعات طالما اختبأت تحت السطح.

انقسامات داخلية بات من المستحيل إخفاؤها

لعل النتيجة الأكثر أهمية لبيئة ما بعد الحرب تتمثل في الصراع الذي بات مرئياً ومتصاعداً داخل المؤسسة الحاكمة؛ حيث تتبنى الأجنحة المتنافسة استراتيجيات متناقضة وحادة بشكل عام:

  • جناحٌ يرى: أن إبداء قدر من المرونة والتوافق مع الغرب بات أمراً ضرورياً لتخفيف الضغوط الاقتصادية والحفاظ على أصل النظام.
  • جناحٌ آخر يرى: أن تقديم أي تنازل ملموس يمثل تهديداً وجودياً، انطلاقاً من الخوف بأن أي مساومة في الخارج ستشجع حتماً على تصاعد المطالب بالإصلاح—أو حتى التغيير السياسي الجذري الشامل—في الداخل.

إن هذا التباين يتجاوز مجرد اختلاف عادي في السياسات؛ بل هو انعكاس لرؤى متصارعة حول كيفية حتمية بقاء النظام. ومن المفارقات، أنه كلما جاء أي اتفاق مستقبلي أكثر شمولاً، كلما زاد ذلك من تعميق هذه الانقسامات الحادة.

السلام قد يولد عدم استقرار سياسي جديد

جرت العادة على افتراض أن النجاح الدبلوماسي يقود حتماً إلى الاستقرار السياسي، غير أنه في الحالة الإيرانية، قد يثبت العكس تماماً؛ فقد أمضى النظام عقوداً في تعريف نفسه من خلال شعارات مواجهة الولايات المتحدة، والنفوذ العسكري الإقليمي، وبرنامجه الصاروخي، ودعم شبكات الوكلاء. ولم تكن هذه السياسات مجرد خيارات استراتيجية عابرة، بل تحولت إلى ركائز جوهرية للهوية السياسية للنظام.

بناءً على ذلك، فإن تقديم تنازلات حقيقية في أي من هذه الملفات سيحمل تكاليف باهظة تمتد إلى ما هو أبعد من حدود السياسة الخارجية؛ إذ إن أي مساومة تنطوي على مخاطرة حقيقية بـ إقصاء وتنفير عناصر متنفذة داخل الأجهزة الأمنية والتيارات الأيديولوجية المتشددة، والتي تعتمد مشروعيتها السياسية بالكامل على استمرار المواجهة وليس على حلها. ولهذا السبب بالذات، قد تتحول الدبلوماسية نفسها إلى محفز آخر لزعزعة الاستقرار الداخلي.

الأموال لم تحل يوماً المشكلات السياسية للنظام

غالباً ما يجادل المؤيدون لتجديد المفاوضات بأن تخفيف العقوبات أو الإفراج عن الأصول المجمدة من شأنه أن يمنح طهران مساحة للتنفس الاقتصادي كفيلة بضمان استقرار البلاد. غير أن التاريخ القريب لإيران لا يقدم أي دليل يدعم هذه الخلاصة؛ فخلال الفترات التي شهدت تدفقاً استثنائياً للعائدات النفطية—وحتى بعد الاتفاق النووي لعام 2015—تمتع النظام بموارد مالية تفوق بكثير ما يملكه اليوم، ومع ذلك، لم تثمر تلك السنوات استقراراً سياسياً مستداماً، بل أعقبتها موجات عارمة من أضخم الاحتجاجات الشعبية على مستوى البلاد، مدفوعة بالفساد، وعدم المساواة، والقمع، والإحباط العام الواسع.

إن الدرس المستفاد هنا واضح وصريح:

“إن أزمة إيران هي أزمة هيكلية وبنيوية وليست مالية؛ فالإمكانيات الاقتصادية قد تؤجل بعض الضغوط لبرهة من الوقت، لكنها تعجز تماماً عن إعادة بناء الثقة العامة في مؤسسات يراها الكثير من الإيرانيين قمعية وفاسدة وتفتقر إلى أي مساءلة.”

قضية القيادة لا تزال دون حسم حقيقي

تضيف عملية الخلافة بحد ذاتها طبقة أخرى من الغموض وعدم اليقين؛ فعلى الرغم من أن مجتبى خامنئي قد خلف والده، إلا أن انتقال السلطة وحده لن يملك القدرة على إزالة الصراعات العميقة الكامنة بين أقطاب النخبة الحاكمة.

إن الخلافات التي تطفو على السطح اليوم ليست مجرد منافسات شخصية عابرة، بل تتعلق برؤى استراتيجية متصادمة حول مستقبل إيران، وعلاقاتها بالعالم الخارجي، وكيفية موازنة العقدة بين الجمود الأيديولوجي والبراغماتية السياسية. ولذا، فإن استبدال شخص الولي الفقيه بآخر لا يمكنه حل هذه التناقضات المؤسسية العميقة الجذور.

«الثأر» و«الموت للمساوم»… شعارات تكشف عمق الانقسام داخل النظام الإيراني

شهد اليوم الثاني من مراسم تشييع الولي الفقيه علي خامنئي تصاعداً ملحوظاً في الصراعات بين أجنحة النظام الإيراني، حيث تحولت المراسم الرسمية إلى ساحة لإبراز الانقسامات الداخلية والتنافس بين مراكز القوى. ورُفعت هتافات فئوية ضد من وصفوا بـ«المتسللين» و«المساومين»، إلى جانب لافتات تدعم مجتبى خامنئي وتدعو إلى العودة لنهج الولي الفقيه، مما يعكس حدة الصراع في هرم السلطة.

صراع الأجنحة | الولي الفقيه | يوليو 2026
قضية المعارضة لن تختفي من المشهد

أعادت الحرب الأخيرة أيضاً تشكيل النقاشات الدائرة حول مستقبل إيران؛ فحيث فشلت المواجهة العسكرية المباشرة في إسقاط السلطة، وعجزت عقود من العقوبات والانخراط الدبلوماسي عن تغيير السلوك الداخلي للنظام بشكل جوهري، تجدد الجدال بين العديد من المراقبين وقوى المعارضة حول حقيقة أن التغيير السياسي المستدام لا يمكن أن ينبع إلا من خلال الشعب الإيراني نفسه.

وفي قلب هذه القوى المناهضة، طالما أكدت المقاومة الإيرانية أن خياري الحرب والاسترضاء لا يقدّمان حلاً ديمومياً للأزمة، مشددة على ضرورة اعتراف المجتمع الدولي بحق الشعب الإيراني في مقاومة الديكتاتورية. كما تدعو إلى اشتراط أي انخراط دبلوماسي مع طهران بتحقيق تحسينات ملموسة وقابلة للقياس في ملف حقوق الإنسان، وفي مقدمتها الوقف الكامل للإعدامات، وإنهاء القمع السياسي، وتفكيك أدوات وآلات القمع التابعة للنظام. وسواء اتفق المرء مع هذا البرنامج أم لا، فإن النقطة الجوهرية الجديرة بالاهتمام تكمن في أن أي إطار دبلوماسي يتجاهل أزمة حقوق الإنسان الداخلية يغامر بمعالجة الأعراض السطحية مع ترك الصراع المركزي والأساسي دون مساس.

المفاوضات تعجز عن حل أزمة الشرعية

لا يزال مستقبل المفاوضات الأمريكية-الإيرانية محاطاً بالغموض؛ إذ تستمر الخلافات العميقة حول البرنامج النووي، والصواريخ الباليستية، والنفوذ الإقليمي، والجماعات الوكيلة، والملفات الأمنية الأوسع في تعقيد المسار نحو التوصل إلى أي اتفاق شامل. ولكن حتى لو تمكن المفاوضون من تجاوز تلك العقبات، فإن التحدي الرئيسي لنظام الولي الفقيه سيبقى ثابتاً دون تغيير.

إن الصراع الحاسم والمحدد لوجه إيران اليوم ليس القائم بين طهران وواشنطن؛ بل هو الصراع المحتدم بين منظومة سياسية تستميت للحفاظ على سلطتها المتآكلة، ومجتمع حيّ برهن مراراً وتكراراً على جاهزيته العالية لتحديها. قد تنجح الدبلوماسية في خفض حدة التوترات الخارجية، وقد تؤجل الضغوط الاقتصادية، بل وقد تنتج استقراراً مؤقتاً وعابراً في المنطقة، غير أن ما تعجز عنه تماماً هو إعادة ترميم المشروعية، أو ردم انشقاق الأجنحة، أو إصلاح الشرخ الآخذ في الاتساع بين النظام وشعبه؛ وتلك أزمة سياسية بنيوية لا تملك أي طاولة مفاوضات القدرة على حلها.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة