حين يجتمع السم بالمكر
نشر موقع إيلاف مقالاً للكاتب البارز نزار جاف حول مؤامرات نظام الملالي وفلول الشاه ضد منظمة مجاهدي خلق الإيرانية، وفيما يلي نص المقال:
تكشف واقعة حظر تظاهرة باريس عن تقاطع غريب بين نظام الملالي وبقايا الشاه ضد مجاهدي خلق في لحظة سياسية إيرانية شديدة الاضطراب.
القصة الطويلة مملة في ظاهرها، لكنها لو حفلت بالأحداث والتطورات الدراماتيكية فإنها ستكون مشوقة وستجذب القارئ إليها بقوة، ولا سيما إن كان محورها الأساسي موضوعًا هو بمثابة حديث الساعة.
ليس المهم كيفية طرح الموضوع، بل إن الأهم ما يدور ويحدث في الواقع بشأن ذلك الموضوع، حيث إنه وعلى مر التاريخ فإن الحديث عن الكثير من الأمور والمواضيع والتوقعات بشأنها قد جاء مغايرًا تمامًا لما كان منتظرًا ومتوقعًا، وجرى ما لم يكن في الحسبان.
في التاسع عشر من حزيران (يونيو) الجاري، وعندما وصلت إلى العاصمة الفرنسية باريس للمشاركة في تظاهرة 20 حزيران (يونيو) التي كان من المؤمل أن يشارك فيها قرابة 100 ألف من الإيرانيين، فقد فوجئت بأن الشرطة الفرنسية قد حظرت التظاهرة بالرغم من الموافقة المسبقة بشأنها، واعترضت اللجنة المنظمة على القرار المذكور وطعنت فيه أمام المحكمة الإدارية في باريس، لكن في اليوم التالي صادقت المحكمة المذكورة على قرار الشرطة، لكن الذي لفت النظر كثيرًا ودعاني وكل متابع لهذا الحدث إلى البحث والتدقيق في هذا التطور المفاجئ، ولا سيما عندما تمعنت في المبررات التي ذكرتها المحكمة الإدارية في تصويبها لقرار الشرطة الفرنسية.
الملفت للنظر والذي يدفع للمزيد من السعي لسبر غور قرار إلغاء تظاهرة 20 حزيران (يونيو)، المبررات التي أعلنتها المحكمة الإدارية بهذا الصدد، إذ أعلنت في قرار حكمها بأن قرار الحظر الصادر عن الشرطة يتضمن أسبابًا نمطية ومفرغة من أي معلومات أساسية. ومع ذلك، فإن التقارير الاستخباراتية التي وضعت تحت تصرف المحكمة تشير إلى أن تظاهرة 20 حزيران (يونيو) “معرضة لخطر هجوم كبير من قبل النظام الإيراني أو أنصار الشاه الإيرانيين”. ويضيف الحكم أن بقايا نظام الشاه “لديهم جهاز أمن داخلي يُدعى السافاك. هذا “الجهاز” نشط في أوروبا، وقد هدد بأنه في حال إصدار السلطات الإدارية تصريحًا للتظاهرة في 20 حزيران (يونيو) 2026، فإنهم سيقومون بزرع قنبلة”!
والأنكى من ذلك، إن قرار الحكم قد أشار أيضًا إلى أن وجود السافاك “واضح من خلال مشاركته في تظاهرة 26 نيسان (أبريل) 2026 في لندن و10 أيار (مايو) من العام في ريغنسبورغ بألمانيا، حيث عرض المشاركون في المسيرة ملابس ولافتات تحمل شعار السافاك”، ويضيف أن “الحركة الملكية، من خلال أحد أعضائها النشطين، محمد صادقي آهنكر، والمعروف بـ”مواقفه التهديدية، خاصة تجاه قوات الأمن الفرنسية ورئيس الجمهورية” دعت أنصارها إلى “عرقلة المسيرة””. السؤال الذي يطرح نفسه هنا بقوة ويتطلب إجابة وتوضيحًا، هو: أين كانت مخابرات نظام الملالي النشيطة والمتميزة بالحرفية في مطاردة واغتيال المعارضين طوال أكثر من 47 عامًا من حيث تصديها ومواجهتها لنشاطات السافاك، بل وحتى لماذا تغاضت عنه وصبت كل جهودها في رصد ومتابعة وملاحقة منظمة مجاهدي خلق؟
لست أتحدث حديثًا عرضيًا أو طارئًا عن هكذا موضوع، إذ إن لي قرابة ربع قرن على متابعة دور ونشاطات مجاهدي خلق، أي من أيام كانت المنظمة مدرجة في قائمة المنظمات الإرهابية، وتابعت تحركاتها ونشاطاتها وسلطت الأضواء عليها في الإعلام العربي ولا سيما في موقع إيلاف وصحيفة “السياسة” الكويتية، وأكدت مرارًا وتكرارًا بأن النظام الإيراني هو مصدر التطرف والإرهاب، وهو التهديد والتحدي الذي يواجه ليس الشعب الإيراني فقط بل والمنطقة والعالم أيضًا.
نظام الملالي، وللأسف الشديد الإعلام العربي من ورائه، يزعمون بأن لا دور ولا تأثير لمجاهدي خلق على الأحداث والتطورات في داخل إيران، ولكن وعند حدوث أي انتفاضة أو نشاط مضاد للنظام يبادر الأخير لاتهام المنظمة بذلك دون غيرها، بل وحتى إن الذي يجب أن يؤخذ بنظر الاعتبار والأهمية أن ملالي إيران لم يسبق وإن طالبوا دول العالم بإعادة أي معارض سوى المنتمين لمجاهدي خلق، وأتساءل لماذا؟ ألم يفكر أحدكم بهذا الأمر؟ وقد صدق مسعود رجوي، قائد المقاومة الإيرانية، في رسالته التي وجهها بمناسبة إلغاء التظاهر في 20 حزيران (يونيو) حينما قال: “فإذا كانت هذه المقاومة، وهؤلاء المجاهدون، لا يملكون قاعدة ولا رصيدًا ولا تأثيرًا، فلماذا كان الشيء الوحيد الذي يرضي فاشية ولاية الفقيه الحاكمة، منذ اليوم الأول وحتى اليوم، في كل صفقة ومعاملة، ولا سيما الصفقات الملوثة بالنفط، هو استهدافهم ودفع الثمن من حسابهم وعلى حسابهم؟”، وهذا أيضًا سؤال مهم وحيوي ينتظر ليس الإجابة عليه فقط وإنما فهم واستيعاب طرحه في هذا الوقت تحديدًا.
لكن، وبعيدًا عن هذا وذاك، ما الذي جمع بين بقايا نظام الشاه المباد ونظام الملالي، خصوصًا وإن الأخير في أسوأ مرحلة يواجهها حيث تعصف به الأزمات ويتصاعد الرفض الشعبي ضده أكثر من أي وقت مضى؟ بالأمس كان الخميني ومن بعده خليفته خامنئي يدبجون خطبهم بكونهم ألد أعداء الطاغوت “أي نظام الشاه” وإنهم من أسقطوه، فما “عدا مما بدا وجمعهم على طاولة واحدة مع أعداء الأمس ضد طرف طالما زعما كلاهما بأن لا دور ولا تأثير له على أرض الواقع”؟
ليست المرة الأولى التي تتعرض فيها مجاهدي خلق لمؤامرة تمت حياكتها بمشاركة أكثر من طرف، فقد تعرضت للعديد منها، لكن الذي لفت النظر أنها كانت تواجه كل مؤامرة بحنكة وحكمة، خصوصًا إذا ما تذكرنا مؤامرة 17 حزيران (يونيو) 20 التي تم على أثرها اعتقال قيادة المنظمة وفي المقدمة منها مريم رجوي، بزعم الاشتباه أن المنظمة تخطط لعمليات إرهابية، وتبين فيما بعد الدور المشبوه لنظام الملالي بهذه المؤامرة، لكن الملفت للنظر في المؤامرتين أنهما حدثتا في شهر حزيران (يونيو) وكلتاهما بنيت على مبررات وحجج مشبوهة كان وراءها النظام مع ملاحظة إن لبقايا الشاه في المؤامرة دورًا مهمًا في مساعدة الملالي لتحقيق هدفهم، لكن الذي لفت النظر أكثر إلى هذا الموضوع وما يتعلق به هو ما ذكرته مريم رجوي، في كلمتها في اليوم الأول من مؤتمر إيران الحرة 2026، عندما قالت: “أما أولئك الذين امتلكوا ماكنة ضخمة لتصنيع الأكاذيب والتزوير بصرف المليارات، فقد سعوا إلى اختطاف الانتفاضة وتصويرها على أنها محاولة للعودة إلى دكتاتورية حكم الشاه. وهذا كان عمليًا لصالح خامنئي تمامًا وخدم سياسة قمع الانتفاضة وإجهاضها”. إذ أباد النظام 30 ألفًا من المتظاهرين بالرغم من إن الرئيس ترامب قد رفع الرقم إلى 42 ألفًا، وهذا بحد ذاته يؤكد العلاقة الغريبة من نوعها بين العقرب “النظام” والثعلب المكشوف “رضا بهلوي” ولله في خلقه شؤون.






