نظرة على آخر التطورات في إيران
إن الاتفاق الأولي بين أمريكا والنظام الإيراني أشبه بالشوط الأول من مباراة كرة قدم منه إلى إنهاء أزمة؛ مباراة لم تُحسم نتيجتها النهائية بعد، والحكم عليها سابق لأوانه. لقد تم توقيع هذا الاتفاق من قبل الطرفين، إلا أن تداعياته السياسية والاستراتيجية لا تزال يكتنفها الغموض. فالبعض يكتفي بالنظر إلى النتائج الأولية لهذه المرحلة، بينما يوجه آخرون أنظارهم نحو آفاق أبعد وتأثيراتها بعيدة المدى. ومن هذا المنطلق، يجدر بنا، بعيداً عن صخب السياسة، إلقاء نظرة فاحصة على آفاق هذا التطور.
الرابح أو الخاسر الحقيقي في الاتفاق
في التقييم النهائي، لا ينبغي البحث عن الرابح أو الخاسر الحقيقي في هذا الاتفاق بين القوى الخارجية ولا بين حكام النظام، بل يجب رؤيته في مصير الشعب والمقاومة الإيرانية. تلك القوة التي لم تعلق آمالها طوال السنوات الماضية على سياسة الاسترضاء مع الديكتاتورية ولم تعتبر خيار الحرب الخارجية حلاً لمشاكل إيران. لقد قدم هذا التيار نفسه دائماً كطرف رئيسي في المعادلة، مؤمناً بأن مصير إيران لن يصاغ إلا بأيدي الشعب ومقاومته المنظمة.
البديل الحقيقي
في المقابل، فإن الخاسرين في هذه التطورات هم أولئك الذين استثمروا كل رصيدهم السياسي في أحد خياري الاسترضاء أو الحرب الخارجية. وعلى رأس هذا التيار يقف فلول الديكتاتورية السابقة من أنصار الشاه التي طالما انتظرت تطوراً خارجياً للعودة إلى السلطة. إن إشارة نائب الرئيس الأمريكي في إحدى مقابلاته الأخيرة إلى أن ترامب لم يقل أبداً إن هدفه هو تنصيب رضا بهلوي كزعيم جديد لإيران، كانت بالنسبة للعديد من المراقبين السياسيين دليلاً واضحاً على نهاية هذا الوهم. هذا الموقف، في الواقع، وضع آمال أولئك الذين يبحثون عن مستقبلهم في التدخل الخارجي أمام تحدٍ خطير.
الأمل في الحرب الخارجية
يتذكر الجميع أن رضا بهلوي وأنصاره كانوا يعتبرون استمرار الحرب وزيادة الضغوط الخارجية فرصة لتحقيق طموحاتهم السياسية؛ وكأنهم تصوروا أن استمرار الصراعات سيمهد الطريق لعودة نظام الشاه، وتُصادر ثمار الانتفاضات والنضالات ودماء الشعب الإيراني لصالحهم. وفي السنوات الماضية أيضاً، إبان فترة سياسة الاسترضاء مع النظام الكهنوتي، تم عملياً طي ملف الديكتاتورية السابقة؛ وهو وضع اعتبره الكثيرون يحمل مكاسب سياسية للنظام وللتيار الملكي على حد سواء. في مثل هذه الظروف، بُذلت أو تُبذل محاولات لتقديم البدائل المدعومة من هذه التيارات كبديل عن البديل الديمقراطي للشعب الإيراني؛ وهي محاولة لم يكتب لها النجاح فحسب، بل باءت بالفشل من وجهة نظر أنصار المقاومة. ويكمن سبب هذا الفشل في افتقار هذه التيارات للقاعدة الاجتماعية بين أبناء الشعب الإيراني؛ وهو موضوع ستحكم عليه عجلة التاريخ أكثر فأكثر في المستقبل.
النظام الإيراني هو مشعل الحرب
لقد باتت الحقيقة واضحة اليوم أكثر من أي وقت مضى؛ لماذا أشعل النظام الإيراني نار الحرب والأزمات في الشرق الأوسط، ومن المستفيد في النهاية من هذا المسار ومن الخاسر. تظهر التجربة التاريخية أن العديد من التطورات الكبرى بدأت بإجراءات من قبل الأنظمة الاستبدادية، إلا أن نهايتها غالباً ما تُحسم على أيدي الشعوب والقوى النابعة من صميم المجتمع. قد تتمكن الحكومات الديكتاتورية من تغيير مسار التطورات لصالحها أو كسب الوقت لفترة، لكنها لن تقوى على الصمود أمام الإرادة الشعبية والمطالب العامة على المدى الطويل.
الخاسر الاستراتيجي في الحرب
من هذا المنطلق، وصف زعيم المقاومة الإيرانية، السيد مسعود رجوي، منذ بداية الحرب في الشرق الأوسط، نظام ولاية الفقيه بأنه الخاسر الاستراتيجي في الحرب. هذا التقييم، من وجهة نظر أنصار المقاومة، استند إلى فهم عميق لهيكل السلطة في إيران والمعادلات الإقليمية، وقد أثبت مرور الزمن صحته بشكل أوضح. فالنظام الذي اتبع سياسة توسيع الأزمات اعتماداً على الموارد المالية والدعم الخارجي، واجه سريعاً تداعيات تلك السياسة ذاتها. وكانت زيادة الضغوط الداخلية، وتوسع الاستياء الاجتماعي، وتفاقم العزلة السياسية، من بين النتائج التي طالته تدريجياً.
مقاومة الشعب الإيراني
في غضون ذلك، تؤمن المقاومة الإيرانية بأن اتساع رقعة الاحتجاجات الشعبية، واستمرار الأنشطة المنظمة، وتعزيز هياكل المقاومة، هي التي ستحدد مسار التطورات المستقبلية. ومن وجهة نظر هذا التيار، فإن تقدم استراتيجية وحدات المقاومة وأنشطة المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، هي مؤشرات على دخول البلاد مرحلة جديدة من التطورات السياسية؛ مرحلة يمكن أن تؤثر على مستقبل إيران أكثر من أي عامل خارجي آخر.
أكدت مقاومة الشعب الإيراني مراراً وتكراراً أن التغيير السياسي في إيران لن يتحقق عبر مسار الحرب الخارجية أو مساومات مع الحكومة، بل سيكون ممكناً فقط بأيدي الشعب ومقاومته المنظمة. هذه الرؤية تُطرح اليوم وتنعكس في الفضاء السياسي والإعلامي العالمي أكثر من ذي قبل. إن تجربة فشل سياسة الاسترضاء، وكذلك إخفاق استراتيجية الاعتماد على الحرب الخارجية، قادت الكثيرين إلى استنتاج مفاده أن الحل الدائم لمستقبل إيران يجب أن ينبع في النهاية من داخل المجتمع الإيراني وبالاعتماد على إرادة شعبه.
- نظرة على آخر التطورات في إيران

- سقوط رأس المال الاجتماعي: تهديد أكبر للنظام من الحرب الخارجية

- من طهران إلى سراوان: وحدات المقاومة تجتاح الشوارع وتجدد عهد منطلق الانتفاضة الكبرى

- قراءة في بيان الـ 3000 شخصية عالمية: اعتراف دولي بالبديل الديمقراطي في عشية 20 يونيو

- معركة الوضوح السياسي: تفكيك البدائل المصنعة لحماية الاستبداد وتدوير الديكتاتورية


