ثورة إيرانية غير مكتملة: درس عام 1979 التاريخي يعرّي زيف البدائل السلطوية ويؤكد حتمية التعددية السياسية
في وقت تقف فيه إيران عام 2026 أمام منعطف تاريخي حاسم، تكتسب المراجعات الفكرية والسياسية للتاريخ المعاصر أهمية بالغة لصياغة ملامح البديل الديمقراطي الجاهز. ويستعرض هذا التقرير التحليلي الموسع قراءة فاحصة في تجربة الحرية السياسية القصيرة التي أعقبت سقوط نظام الشاه، مستخلصاً العِبر البنيوية التي تحذر من كافة أشكال الاحتكار السلطوي. ويعيش نظام الولي الفقيه اليوم أزمات سياسية، واجتماعية، واقتصادية غير مسبوقة في تاريخه، حيث انهارت الثقة العامة تماماً، وتوالت الانتفاضات العارمة لتضرب ركائز العقيدة الثيوقراطية. إن استيعاب هذا الواقع يمر عبر تفكيك آليات القمع والمماطلة التي انتهجها النظام لعقود، مما يضع القوى الوطنية المناهضة للاستبداد عند المسافة صفر من إحداث التغيير الشامل وإسقاط المنظومة التي باتت تعيش حالة من الهشاشة الأمنية المطلقة، رغم لجوئها المكثف إلى إستراتيجية المشنقة لترهيب الشارع لضمان بقائها.
ربيع الحرية القصير: تجربة التعددية المنسية عام 1979
تثبت الوقائع التاريخية التي تلت سقوط ديكتاتورية الشاه عام 1979 أن المأساة الإيرانية لم تكن تكمن في غياب الثقافة الديمقراطية لدى الشعب، بل في التدمير الممنهج لأول فرصة حقيقية لبناء التعددية السياسية. ففي الأشهر الأولى التي تلت الثورة المناهضة للشاه، شهدت إيران واحدة من أكثر الفترات حيوية ونشاطاً في تاريخها الحديث؛ حيث نشطت المنظمات السياسية بمختلف اتجاهاتها علناً وبحرية تامة، وانتشرت الصحف والمطبوعات التي تمثل تنوعاً أيديولوجياً وفكرياً واسعاً، وتحولت الجامعات ومؤسسات التعليم إلى مراكز كبرى للنقاش الفكري المفتوح.
وكان الفضاء العام يغص بالحوارات والنقاشات المستفيضة حول ماهية الديمقراطية، والعدالة الاجتماعية، وحقوق المرأة، وحقوق العمال، وفصل الدين عن الدولة، والهيكل الدستوري المستقبلي للدولة الإيرانية. لقد برهن المجتمع الإيراني، في تلك اللحظة الوجيزة، على امتلاكه الرغبة والأهلية الكاملة لممارسة التعددية والتعايش السياسي، داحضاً السرديات الزائفة التي روجها الملالي وحماة البدائل السلطوية الأخرى، والتي تدعي أن الديمقراطية لا تتوافق مع الثقافة الوطنية، أو أن البلاد تحتاج دائماً إلى وصاية دائمة من ملك مستبد أو زعيم ديني مطلق. فلم تكن المشكلة يوماً في وعي الشعب، بل في النوايا الإقصائية لتيار محدد أصر على احتكار مقدرات الأمة وإلغاء الآخر.
بروس ماكولوم في “إيجوز إنسايتس”: 45 عاماً من متابعة إيران تؤكد ضرورة دعم البديل الديمقراطي المنظم
استعرض بروس ماكولوم، رئيس معهد الاستراتيجيات الديمقراطية، في مقال له، مسار السياسات الدولية تجاه إيران منذ ثورة 1979 وتأثيراتها المعاصرة. وخلص الكاتب بناءً على عقود من الدراسة والتحليل إلى أن التغيير السياسي المستدام يتطلب وجود بديل داخلي منظم، مشيراً إلى منظمة مجاهدي خلق وائتلافها الأوسع (المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية) كقوة تمتلك برنامجاً واضحاً من عشر نقاط لإقامة جمهورية ديمقراطية تفصل بين الدين والدولة.
آليات خنق التعددية وتأسيس دكتاتورية العمامة
إن هيمنة خميني وتياره على مفاصل السلطة لم تحدث بسبب فشل التعددية السياسية، بل لأن التنوع الديمقراطي كان يمثل التهديد الأكبر لمشروع بناء الدولة الأيديولوجية الشمولية. فقد نظرت المؤسسة الدينية الناشئة إلى التعددية كخطر داهم يهدد طموحاتها في صياغة سلطة مطلقة، وباتت المنظمات السياسية المستقلة، والإعلام الحر، والحركات الطلابية والنسائية، ومطالب الأقليات العرقية والدينية، عقبات رئيسية يجب تصفيتها لإرساء حكم الولي الفقيه.
وقد سارت هذه العملية الإقصائية خطوة بخطوة؛ حيث أُعيد تصميم المؤسسات السياسية والقوانين لتركيز السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية في أيدي هيئات دينية غير منتخبة. وجرى تهميش الأصوات المستقلة، وشن حملات ملاحقة شرسة ضد مجموعات المعارضة، وإغلاق الصحف المستقلة وتطهير الجامعات وتجريم أي مظهر من مظاهر المعارضة السياسية. وبحلول يونيو 1981، كان النظام قد أكمل تدمير كافة الحريات السياسية، ليدخل البلاد في نفق مظلم امتد لخمسة عقود من القمع والفساد الممنهج، والانهيار الاقتصادي، والعزلة الدولية، معتمداً على حبل المشنقة وسياسة التصفيات كأداة وحيدة لمنع السقوط الحتمي.
فخ الوراثة والأدلجة: التاج والعمامة وجهان لعملة الاستبداد
مع اقتراب إيران من نقطة التحول الكبرى لعام 2026، يصبح من الضروري عدم إساءة فهم دروس الماضي؛ فالدرس الأساسي ليس أن الثورات تفشل بالضرورة، أو أن الإيرانيين بحاجة إلى حاكم قوي ومستبد بقبضة حديدية، بل إن الحرية تموت حتماً عندما يحل الاحتكار السياسي محل التنافس الديمقراطي الشفاف. وينطبق هذا الدرس بصرامة على كافة القوى السياسية التي تسعى لترتيب مشهد ما بعد السقوط.
اليوم، تطرح تيارات مختلفة رؤى متباينة لمستقبل البلاد؛ فبعضهم يسعى للحفاظ على بنية النظام الحالي مع إدخال تعديلات شكلية، وآخرون ينادون بإعادة إنتاج نظام الشاه الوراثي البائد عبر واجهة رضا بهلوي، بينما يدافع التيار الجمهوري الديمقراطي عن سيادة الشعب والتعددية الكاملة. وما يجب أن يثير قلق المجتمع الإيراني هو أي حركة تدعي النظام الشاهنشاهي الحصري أو الحق التاريخي في صياغة مستقبل إيران؛ إذ يؤكد التاريخ أن الديكتاتورية لا تصبح مقبولة أو مشروعة بمجرد تغيير علمها أو شعاراتها:
- الديكتاتورية التي ترتدي التاج تظل دكتاتورية الشاه صامتة وقمعية.
- الديكتاتورية الملفوفة بالعباءة تظل ثيوقراطية إقصائية مطلقة.
- الديكتاتورية المبررة بالقومية، أو الأمن، أو الشعارات الثورية، تظل نظاماً شوفينياً يرفض التعددية.
إن السؤال الجوهري تتوجه إيران ليس من يجب أن يحكم، بل هو هل يُسمح لأي فرد، أو مؤسسة، أو سلالة، أو فصيل أيديولوجي باحتكار سلطة غير خاضعة للمساءلة والرقابة؟
الرؤية الديمقراطية والمؤسساتية للمستقبل
إن الاستقرار المستقبلي لإيران لن يصنعه الأشخاص أو الكاريزمات الفردية، بل ستبنيه المؤسسات الدستورية الراسخة؛ فالجمهورية الديمقراطية الحقيقية لا تتحدد بإجراء صناديق الاقتراع الصورية فحسب، بل بالضمانات القانونية البنيوية التي تمنع تركيز السلطة وتكفل التنافس السلمي للأفكار. ويجب أن تشتمل هذه المنظومة المستندة إلى تطلعات الشعب والمتمثلة في برنامج المقاومة على:
تقرير معيشي: أزمة أسعار الخبز وتقنين الحصص يطالان قوت الفئات الأكثر فقراً في إيران
وصلت الضغوط الاقتصادية المتنامية في إيران إلى القوت الأساسي للمواطنين، متمثلاً في رغيف الخبز. وأكدت رسائل ميدانية من محافظات عدة مثل طهران، وكرج، وأصفهان، وخراسان رضوي، ومازندران، أنه إلى جانب الارتفاعات القياسية في الأسعار، بدأت بعض المخابز التي تتلقى الطحين المدعوم تقنين مبيعاتها وفرض قيود على عدد الأرغفة المتاحة لكل مواطن، مما يوضح مأزق إدارة السلع التموينية الحيوية.
- حرية التعبير المطلقة وحرية التجمع وتأسيس الأحزاب السياسية.
- الصحافة الحرة والمستقلة والقضاء النزيه والمنفصل عن الأهواء الأيديولوجية.
- الانتخابات الحرة والعادلة القائمة على الاقتراع العام المباشر.
- الإقرار الكامل بحقوق المرأة والمساواة التامة بين الجنسين في كافة المفاصل القانونية.
- حماية حقوق الأقليات العرقية والقومية والدينية، والتبني الحاسم لمبدأ فصل الدين عن الدولة.
والأهم من ذلك كله، ضمان عدم تمكين أي فصيل سياسي من احتكار القرار عبر تكميم أفواه معارضيه، لأن الاحتكار لم يكن يوماً حلاً لمشكلات إيران، بل كان المسبب الرئيسي لجميع كوارثها التاريخية والاجتماعية.
لقد دفع الشعب الإيراني أثماناً باهظة وتضحيات جساماً جراء عقود من الحكم الشمولي، ونشأت أجيال متعاقبة تحت مقصلة الرقابة، والتنكيل البوليسي، والحرمان من الحقوق الأساسية، ومع ذلك فإن تطلعات السيادة الشعبية لم تخمد يوماً. وتثبت الانتفاضات الشعبية المتلاحقة، وصولاً إلى الحراك الثوري لعام 2026، أن المجتمع يرفض بشكل قاطع الديكتاتورية والإقصاء السياسي بكافة لبوسهما. بناءً على هذه المعطيات، فإن الصراع الجاري اليوم يتجاوز مجرد منافسة بين فصائل سياسية؛ إنه صراع وجودي بين الاحتكار والتعددية، وبين الاستبداد والمشاركة الديمقراطية الحقيقية. ولن تكتمل الثورة الإيرانية عبر استبدال نخبة حاكمة بأخرى، بل ستكتمل فقط عندما تنتزع الطليعة الميدانية والجماهير نظاماً سياسياً لا يملك فيه أي فرد، أو سلالة الشاه، أو سلطة الملالي، الحق الحصري في تقرير مصير البلاد، صيانةً لبناء جمهورية تعددية ديمقراطية حديثة قائمة بالكامل على مبدأ فصل الدين عن الدولة.
- باريس 20 يونيو: الشعب الإيراني يرفع صوته من أجل الحرية
- هتافات ضد عراقجي وقاليباف في طهران ومشهد واشتباكات مع قوات الأمن
- ثورة إيرانية غير مكتملة: درس عام 1979 التاريخي يعرّي زيف البدائل السلطوية ويؤكد حتمية التعددية السياسية

- منظمة العفو الدولية تحذر من إعدامات سياسية وشيكة في إيران وتطالب الأمم المتحدة بالتدخل الفوري لوقف آلة القتل
- صحيفة أمريكان ثينكر: لماذا يحظى حشد باريس للإيرانيين في 20 يونيو بدعم دولي غير مسبوق؟
- إيران: تصعيد الإجراءات القمعية ضد الطلاب لمنع الاحتجاجات الطلابية
