نهاية أوهام الإصلاح وبدء معركة “الجمهورية الديمقراطية”
يقف التاريخ المعاصر لإيران مرة أخرى عند منعطف حاسم، حيث يلتقي نبض الاقتصاد التقليدي (البازار) مع وعي الحداثة (الجامعة) في تآزر غير مسبوق ضد هيكل السلطة. وتشير انتفاضة 30 ديسمبر 2025 إلى أن إغلاق المتاجر لم يعد مجرد رد فعل نقابي على التضخم، بل تحول إلى “سلاح مدني” فتاك يعلن انهيار العقد الاجتماعي، ونهاية الرهان على “الإصلاح” من الداخل، وبدء مرحلة المواجهة الجذرية لإسقاط نظام “ولاية الفقيه”.
لم تكن انتفاضة بازار طهران في التاسع من 30 ديسمبر مجرد رد فعل فئوي على تقلبات العملة أو التضخم المنفلت؛ بل كانت تعبيراً عن صدع عميق في الطبقات التحتية لمجتمع قرر استخدام (إغلاق المحلات) كسلاح مدني ضد الاستبداد الديني. هذه الإضرابات التي انطلقت من القلب النابض للعاصمة وسرعان ما امتدت إلى سائر المدن الكبرى، تؤكد العبور القاطع للمجتمع الإيراني المتفجر من مرحلة “المطالب الدنيا” إلى ساحة النشاط الراديكالي والاحتجاجات الشاملة.
انطلق اليوم الثاني من إضراب تجار بازار طهران احتجاجاً على الغلاء الجامح والفساد المنهجي، حيث شهد السوق إغلاق قطاعات واسعة وسط أجواء من التوتر، نتيجة السياسات التي ضاعفت تضخم الشهري وسحقت معيشة المواطنين.
سقوط بارادايغمة “الصمت مقابل الأمن الاقتصادي”
لطالما كان “البازار” تاريخياً أحد أعمدة الثبات أو التغيير في الثورات الإيرانية. هذه المرة، وبإغلاقه للأسواق الرئيسية مثل “بين الحرمين” و”أمين حضور”، أرسل رسالة صريحة إلى النواة الصلبة للسلطة. إن مشهد المحلات المغلقة والجماهير الهادرة في شوارع “ملت” و”جمهوري” يرمز إلى انهيار معادلة “الصمت في وجه السلطة مقابل الأمن الاقتصادي”.
عندما يلامس تضخم المواد الغذائية عتبة 72% وينخر الفساد الممنهج هياكل الحكم، لا يعود السوق مكاناً لتبادل السلع، بل يتحول إلى ساحة لاستعادة الكرامة الإنسانية. وفي هذا السياق، فإن الشعارات التي استهدفت أصل “ولاية الفقيه” تثبت أن الناس يرون آلامهم نابعة من ماهية النظام نفسه، وليس من سوء إدارة عابر.
اتسع نطاق الإضرابات ليشمل نقاطاً استراتيجية في طهران مع انضمام قطاعات مختلفة للمحتجين، وسط ذعر النظام واستنفار قواته القمعية لمواجهة شعارات “الموت للدكتاتور” التي صدحت بها حناجر البازاريين الرافضين للذل.
التلاحم العضوي: الطلبة والتجار في خندق واحد
ما يميز هذه الهبة عن سابقاتها هو الرابط العضوي بين “البازار” و”الجامعة”. فقد تحولت جامعات طهران، وشريف، وأمير كبير، وخواجه نصير، إلى نقاط تلاقٍ بين الجيل الجديد والجسد المدني الفعال.
لقد أثبت الطلاب، بصراخهم الذي تجاوز حدود “الإصلاحيين والأصوليين”، أنه لم يعد هناك أي وهم بإمكانية الإصلاح داخل الهيكل. إن شعار “أيها الإصلاحي، أيها الأصولي.. انتهت اللعبة” الذي دوى مجدداً في الفضاء الأكاديمي، يعكس النضج السياسي لجيل يسعى لتأسيس نظام جديد على أنقاض الثيوقراطية. كما أن فرار القوات الأمنية أمام الصفوف المتراصة للطلاب في جامعة طهران يعكس تآكل الهيبة الرمزية لأدوات القمع.
رغم هجوم القوات القمعية بالغاز المسيل للدموع، أظهر المحتجون صموداً بطولياً أجبر المهاجمين على الفرار في عدة نقاط بطهران، فيما امتدت شرارة الانتفاضة لتصل إلى مدينة مشهد، رفضاً لسياسات التجويع والنهب.
صدى دولي ووحدة الساحات (السجن والشارع)
على المستوى الدولي، أحدثت هذه التحولات زلزالاً أثر على توازن القوى الإقليمي، وسط تحذيرات دولية من انتهاكات حقوق الإنسان ومحاولات النظام إعادة بناء مشاريعه النووية السرية.
وفي الداخل، بينما يحاول النظام الإيراني شراء الوقت عبر تسجيل أرقام قياسية في الإعدامات، أدى استمرار حملة “ثلاثاء لا للإعدام” في عشرات السجون إلى ترسيخ الرابط بين “المقاومة داخل السجون” و”الانتفاضة في الشوارع”. هذا التآزر بين السجين السياسي، والتاجر المحتج، والطالب الطليعي، شكّل سلسلة من الاحتجاجات وضعت الأجهزة الأمنية في حالة من الذعر والعجز.
اتسع نطاق المظاهرات والاشتباكات لتشمل طهران، مشهد، كرمانشاه، ومدناً أخرى، حيث ردد المتظاهرون شعارات “الموت لخامنئي” و”هذا العام عام الدم”، مؤكدين على إصرارهم الشعبي لإسقاط الدكتاتورية الدينية.
معركة الهوية: الحياة مقابل الموت
إن اتساع رقعة المظاهرات لتشمل مدن مشهد، و كرمانشاه، وهمدان، وزنجان، وممسني، وخرم آباد، وكرج، يؤكد أن الغضب العام لم يعد محصوراً بجغرافيا أو طبقة محددة. وشعار “لن يصبح هذا الوطن وطناً حتى يدفن الملالي” يمثل في عمقه بحث أمة عن إعادة تعريف هويتها الوطنية في مواجهة الهوية المذهبية القسرية. إنها معركة من أجل “الحياة” ضد هيكل يستخدم “الموت” و”الذل” كأدوات للحكم.
اليوم، تقف إيران بين خيارين: احتضار نظام حكم انتهت صلاحيته التاريخية، وميلاد جمهورية ديمقراطية تعددية؛ مسار يبشر فيه صراخ “الحرية” من الحناجر المتعبة ولكن المتأملة، بنهاية شتاء طويل.
رغم التعبئة القمعية الشاملة، اتسع نطاق الانتفاضة ليشمل الحي الجامعي بجامعة طهران وعدة أحياء استراتيجية، حيث دوى هتاف “الموت للديكتاتور” في الأرجاء، رداً على الغلاء الذي فاقمه تضخم الشهري وسياسات النهب.
في اليوم الثالث للإضراب، فشلت حالة التأهب القصوى في منع تجمع المتظاهرين الذين رفعوا شعارات “ماضون حتى الإسقاط” و”تباً لمبدأ ولاية الفقيه”، مؤكدين أن الغلاء المنهجي لن يُقابل إلا بمزيد من الصمود والتصعيد الميداني.
- وحدات المقاومة تستهدف مقار الباسيج والحرس في طهران ومدن إيرانية عدة

- الجنرال ويسلي كلارك: إيران رهينة بيد متعصبين، والمقاومة المنظمة هي الأمل الوحيد للتغيير

- مليارات مهدورة وأزمة سكن خانقة.. المشاريع غير المكتملة تفضح الفساد الهيكلي لـ النظام الإيراني

- مريم رجوي : لقد وقع الملالي اليوم في فخ وضع لا يمكنهم فيه العودة إلى ما قبل الانتفاضة ومجازر شهر يناير، ولا يمتلكون طريقاً للمضي قدماً

- مريم رجوي: السلام الدائم لن يتحقق إلا بإسقاط ديكتاتورية ولاية الفقيه

- بنادق على الشاشات وانهيار في الشوارع.. المسرحية الهزلية لـ النظام الإيراني


