الرئيسيةأخبار إيرانحياة الممرضين في إيران: عندما يتحول الألم إلى أزمة وجودية

حياة الممرضين في إيران: عندما يتحول الألم إلى أزمة وجودية

0Shares

حياة الممرضين في إيران: عندما يتحول الألم إلى أزمة وجودية

لقد حولوا إيران إلى أرض تهطل فيها المعاناة كالمطر، وميداناً لتقاسم الألم. جعلوها مسلخاً للعواطف ومقبرة للآمال الممزقة. لقد صنعوا من إيران مرآة عملاقة للأسى والحسرة، تتكسر على صفحتها حيوات الناس. ولا تأتي الأخبار منها إلا بما يؤكد هذا الواقع المرير، وكان آخرها الخبر الصادم: “ممرضان في كرمانشاه ينهيان حياتهما“. وهو الخبر الذي سلطت عليه الضوء صحيفة “توسعه إيراني” في مقالها الصادر بتاريخ 18 ديسمبر 2025 تحت عنوان معبر: “أرواح منهكة ترحل طواعية”.

وفي سياق الارتباط بهذا الحدث المأساوي، أصدرت “دار الممرض” في كرمانشاه بياناً رسمت فيه صورة قاتمة للوضع، أكدت فيه – كما نقلت الصحيفة ذاتها – أن الممرضين يرزحون في السنوات الأخيرة تحت وطأة ضغوط عمل هائلة، وساعات إضافية منهكة واستنزافية، ونقص حاد في الكوادر البشرية، ناهيك عن تأخر المستحقات المالية والمخاوف المعيشية المستمرة. وحذر البيان من أن تجاهل هذه القضايا يترك آثاراً لا يمكن جبرانها على الصحة الفردية والاجتماعية لهذه الشريحة الخدومة.

الممرضون الإيرانيون: بين ضغط العمل الساحق ورواتب “تحت خط الفقر”

يقف النظام الصحي الإيراني على حافة الانهيار نتيجة سياسات النهب، حيث تواجه البلاد نقصاً حاداً لا يقل عن 165 ألف ممرض، بينما تظل الرواتب تحت خط الفقر وضغوط العمل تتجاوز المعايير العالمية بشكل مأساوي.

إن هذه الحالات المأساوية ليست سوى أمثلة ظاهرة ومعروفة طفت على السطح، في حين أن الكوارث الإنسانية في إيران، الرازحة تحت احتلال نظام “ولاية الفقيه” والملالي، تتمتع بعمق ونطاق لا يمكن تصوره، بحيث لا يتسرب إلى الإعلام إلا النزر اليسير منها بين الفينة والأخرى. وتشير التقارير – وفقاً لما ذكرته الصحيفة في مقالها – إلى أن حالات محاولة الانتحار تحدث بالفعل في المستشفيات الإيرانية، لكن أخبارها لا تجد طريقها إلى وسائل الإعلام ويتم التعتيم عليها.

لا شك أنه لولا الأثمان الجسدية والنفسية والإنسانية الباهظة التي يدفعها الأطباء والممرضون من أرواحهم وأعصابهم، لانهار النظام الطبي الإيراني الخاضع لإدارة الحكومة الفاشلة. إن استمرار تقديم الخدمات الطبية للمواطنين حتى الآن مرهون بهذا الثمن الإنساني الفادح الذي يدفعه الممرضون. وبحسب تحليل الصحيفة ذاتها، فإن الأجساد المنهكة تحت وطأة وظيفة لا تدر دخلاً يذكر، وضغط العمل الهائل، والعمل الإضافي الإجباري، والمشاكل المعيشية الخانقة، والإجراءات التأديبية التعسفية، كانت من أهم أسباب احتجاجات الممرضين المتصاعدة خلال السنوات الأخيرة؛ وهي احتجاجات لم تُقابل من قبل السلطات إلا بالوعود الفارغة. وقد أدى استمرار هذه الحلقة المفرغة من الوضع الصعب إلى زيادة مشقة وصعوبة مهنة التمريض أكثر من أي وقت مضى.

إن عجلة حكم الملالي لا تدور إلا عبر دوران تروس الاستبداد والنهب والسرقة، والتي تطحن في طريقها عواطف وأرواح وحياة الشعب الإيراني. وفي هذا السياق، يقلب داوود خسروي، الأمين العام لـ “دار الممرض” في كرمانشاه، صفحة أخرى من صفحات الجريمة الحكومية المنظمة ضد الشعب الإيراني، قائلاً – كما نقلت عنه صحيفة “توسعه إيراني” –: “إن ضغط العمل التمريضي وصل لدرجة عالية جداً، لدرجة أن بعض زملائنا في شيراز أصيبوا بسكتات قلبية قبل بلوغ سن التقاعد، أو كما حدث قبل فترة وجيزة حيث أنهى ممرض في خلخال حياته. لا يمكن أبداً تجاهل تأثير ضغط العمل والظروف المعيشية القاسية في بروز هذه المسائل المأساوية”.

الممرضون والممرضات الإيرانيون يظهرون قوتهم وتصميمهم في الاحتجاجات

لأكثر من أسبوعين، انتفض الممرضون والممرضات ضد ظروف العمل القمعية وأجورهم المسروقة، في موجة احتجاجات واسعة النطاق لدرجة أربكت حسابات الأجهزة التابعة للدولة.

إن القرارات الاضطرارية والمفاضلة الصعبة بين تحمل المعاناة القاتلة للحياة في إيران المنكوبة بحكم الملالي، أو ترك الوطن والهجرة، جعلت سلسلة متعاقبة من الأجيال على مدى 47 عاماً الماضية تواجه تاريخاً ومصيراً مشتركاً مؤلماً. وما قاله أحد الممرضين يمثل نموذجاً صارخاً لملايين الحالات المشابهة الأخرى: “ضغط العمل والمعيشة كبير جداً. ومن أجل الحفاظ على صحتي النفسية والجسدية، اتخذت قراراً نهائياً بالهجرة”؛ وهي شهادة أوردها التقرير الصحفي المذكور.

من أزمات المياه والكهرباء، مروراً بتلوث الهواء وتدمير الطبيعة، وصولاً إلى وضع الطلاب والجامعات، وحال العمال والمتقاعدين، وانتهاءً بقطاع الطب والتمريض المنهار؛ في نهاية كل تحليل وتقرير لأي من هذه الملفات، نصل دائماً وأبداً إلى السؤال المحوري: “ما العمل؟”. ماذا يجب أن تفعل هذه الشرائح الاجتماعية والمهنية؟ كيف يمكن لإيران الخلاص من هذا الوضع التكراري، الاستنزافي، الإجرامي والاستغلالي؟

إن النبض المشترك لجميع شرائح المجتمع يخفق اليوم بحقيقة مسلمة وحتمية لا مفر منها: لا يوجد أي عامل أو حل آخر سوى الاتحاد والنهوض، والقيام والثورة، كإجابة وحيدة لوقف هذا القتل الممنهج لعواطف المجتمع وروحه ساعة بعد ساعة. من الجهات الست لإيران، هذا هو الحل الوحيد الذي يصدح صداه عالياً.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة