الرئيسيةأخبار إيرانتقلبات العملة في إيران: حصاد الاقتصاد الريعي والفساد الهيكلي

تقلبات العملة في إيران: حصاد الاقتصاد الريعي والفساد الهيكلي

0Shares

تقلبات العملة في إيران: حصاد الاقتصاد الريعي والفساد الهيكلي

لا تُعزى التقلبات الحادة في أسعار الصرف في إيران خلال السنوات الأخيرة إلى ديناميكيات السوق العرضية فحسب، بل هي نتاج هيكلية اقتصادية-سياسية حولت العملة الأجنبية من مورد عام إلى أداة للريع والاحتكار بيد فئات محددة. هذا الوضع، الذي تكرس في السياسات النقدية للبلاد منذ عقود، أصبح اليوم أحد العوائق الجذرية أمام الإنتاج والمعيشة والعدالة الاجتماعية (وكالة إيرنا، “تقلبات العملة الجذر الرئيسي للتضخم في إيران”، 1 ديسمبر 2025).

التضخم الجامح في إيران: كيف يدمر الغلاء حياة الإيرانيين ويدفع المجتمع نحو الانفجار؟

في اعتراف رسمي يكشف عن عمق الأزمة التي تعصف بإيران، أعلن مركز الإحصاء التابع للنظام أن معدل التضخم قد بلغ 48.6% على أساس سنوي في شهر أكتوبر. هذا الرقم، الذي يعتبره العديد من الخبراء أقل من الواقع، ليس مجرد إحصائية اقتصادية

تعدد أسعار الصرف: منبع الفساد والريع

يكمن أحد أهم أسباب الفوضى النقدية في نظام “تعدد أسعار الصرف”، حيث تتداخل أسعار مختلفة (الرسمي، التجاري، السوق السوداء، والعملة التفضيلية). يفتقر هذا الهيكل للشفافية، ويخلق فجوة هائلة بين السعر الرسمي المنخفض وسعر السوق المرتفع، مما يمهد الطريق لفساد واسع النطاق.

في ظل هذه المنظومة، تحظى الجهات المقربة من مراكز القوة السياسية وحرس النظام الإيراني بأولوية الحصول على العملة بالسعر الرخيص، لتقوم ببيعها لاحقاً في السوق الحرة أو عبر استيراد بضائع وبيعها بأسعار مضاعفة. هذا الفارق السعري يخلق مصدراً ضخماً لما يمكن تسميته “الوصول الخاص والربح غير المشروع”.

تُهدر مليارات الدولارات سنوياً لصالح هذه المجموعات الريعية المرتبطة بهيكل السلطة، فبدلاً من دعم الإنتاج الحقيقي، تذهب العملة المدعومة لاستيراد السلع الكمالية أو للمضاربة. بعبارة أخرى، تحول شعار “توفير العملة لضبط الأسعار” إلى واقع “توفير عملة رخيصة لمراكمة ثروات فاحشة لفئة محددة”.

الاقتصاد النفطي وميزانية “اقتصاد الولي الفقيه”

في الاقتصاد الإيراني المعتمد على النفط، لطالما كانت عوائد التصدير المصدر الرئيسي للميزانية. ومع ذلك، فإن وجود مؤسسات مالية ضخمة خارج نطاق الرقابة الحكومية والشفافية، والتي يطلق عليها البعض “اقتصاد الولاية”، يؤدي إلى توزيع غامض للموارد وتفشي الريع.

تشير الدراسات حول “الاقتصاد السياسي للأحزاب-الدولة” (أو المؤسسات المرتبطة بـ الولي الفقيه) إلى أن هذا القطاع يمثل نوعاً من “الرأسمالية السياسية” التي تستغل هياكل الدولة لاستخراج الريع. تسيطر هذه الجهات على موارد النقد وتتحكم في التجارة، مما يجعلها المستفيد الأكبر في أوقات الأزمات والعقوبات، بينما تتحمل الطبقات الفقيرة أعباء الخسائر.

انهيار العملة الإيرانية يتعمق: الأجور مجمدة، والغضب الاجتماعي يتصاعد

في الأول من أكتوبر، قفز سعر الدولار إلى 114,200 تومان، في حين تدفع سياسات سوء الإدارة الاقتصادية والعقوبات والتضخم المتصاعد بالأسر الإيرانية نحو حالة طوارئ إنسانية

تدمير الإنتاج وسحق المعيشة

يخلف النظام الريعي وتعدد أسعار الصرف آثاراً مدمرة على الإنتاج المحلي. فعندما تُمنح العملة الرخيصة للمضاربين بدلاً من المنتجين الحقيقيين، ترتفع تكلفة الإنتاج (المواد الأولية والمعدات) التي يتم تأمينها غالباً بأسعار السوق الحرة. في المقابل، تغرق السوق بالسلع المستوردة بالعملة المدعومة، مما يخلق منافسة غير عادلة تؤدي إلى إغلاق المصانع وركود الصناعة.

المواطنون العاديون، والطبقات المتوسطة والعاملة، هم الضحية الأولى لهذا الوضع؛ حيث تتآكل قوتهم الشرائية وتتبخر مدخراتهم نتيجة التضخم المزمن وثبات الأجور في مواجهة الأسعار المتصاعدة.

العقوبات كأداة بيد المافيا الداخلية

صحيح أن العقوبات الدولية قلصت من عوائد النفط وموارد النقد الأجنبي، مما رفع الطلب على الدولار، إلا أن العقوبات وحدها لا تؤدي بالضرورة إلى هذه التقلبات الهائلة ما لم تكن البنية الداخلية مهيأة للفساد. إن الهيكل الريعي هو الذي يسمح للفاعلين المقربين من السلطة وحرس النظام الإيراني باستغلال ظروف الحصار لتحقيق أرباح خيالية من خلال احتكار السوق السوداء.

أزمة سياسية بامتياز

إذا أردنا تشخيص العلة الحقيقية، يجب النظر إلى طبيعة هيكل السلطة: في نظام يخضع فيه جزء كبير من الاقتصاد (الواردات، الذهب، التجارة) لنفوذ مؤسسات تابعة لـ الولي الفقيه، يصبح الإصلاح الاقتصادي مستحيلاً. مصلحة هذه المجموعات تكمن في الاستيراد والمضاربة وليس في الإنتاج والتشغيل.

لذلك، فإن تقلبات العملة في إيران ليست مجرد مشكلة تقنية، بل هي انعكاس لمرض هيكلي عميق يتمثل في فوضى العملة، واحتكار الريع، والفساد الممنهج. وطالما بقي هذا الهيكل الفاسد قائماً، سيستمر الاقتصاد في الانحدار وسيدفع الشعب الكادح الثمن الأكبر.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة