إيران في قبضة “نظام الأقساط” والفقر المدقع
لقد تجاوز الاقتصاد الإيراني المحتل في السنوات الأخيرة مرحلة أزمة المعيشة الدورية واتجه نحو ظهور فقر هيكلي عميق. العلامة البارزة لهذا التحول هي الاستبدال الكامل للقدرة الشرائية بـ “الأقساط” في آليات الاقتصاد اليومية. يُظهر هذا التحول أن الفقر لم يعد حالة عابرة، بل هو “نظام جديد” أو “نظام الأقساط” (نظم اقساطی) الذي يحيط بالفرد منذ بداية حياته الاجتماعية حتى آخر لحظة في وجوده. هذا الوضع تجاوز بسلة المعيشة المنهارة مستوى مجرد تحذير، ووصل بها إلى حافة الانهيار الاجتماعي.
تبلور الفقر في ضرورات البقاء
في وقت من الأوقات، أصبح حلم امتلاك أصول كبيرة مثل السكن، حلماً بعيد المنال أو “مزحة مريرة في ليالي الفقر“. ولكن الآن، اتسع نطاق انهيار القوة الشرائية ليشمل أبسط المواد الحيوية. وفقاً للأدلة المتاحة، حلت طوابير شراء الخبز والألبان والزبدة والبيض بالتقسيط محل طوابير قروض الإسكان. هذا يمثل انحداراً تبحث فيه العائلات التي كانت تفكر يوماً في شراء منزل، الآن في منصات الائتمان عن الأرز والزيت بالتقسيط.
إن الزيادة الهائلة في الاعتماد على الاقتراض من أجل البقاء هي في حد ذاتها تأكيد لعمق الأزمة: خلال عام واحد فقط، زادت العضوية في منصات الشراء الائتماني بما يتراوح بين 5 إلى 10 أضعاف. لم يعد القسط أداة لتسهيل شراء السلع الرأسمالية أو الكمالية (مثل الهواتف المحمولة وأجهزة التلفزيون)، بل أصبح المعقل الأخير للمقاومة ضد الفقر الهيكلي. تظهر هذه التطورات أن الطبقات العاملة والموظفين قد هبطوا إلى ما دون الدخل الكافي لتغطية تكاليف المعيشة. لم تعد رواتب العمال تكفي لحياة كريمة، بل إنها لا تكفي حتى للحد الأدنى من البقاء.
الفقر يمتد إلى ما بعد الحياة: الاقتراض حتى لحظة الموت
ذروة المأساة الاقتصادية في إيران هي مشاهدة امتداد “نظام الأقساط” إلى ما بعد الحياة. في المقابر، أصبح بيع شواهد القبور بالتقسيط ظاهرة شائعة. إن الارتفاع غير المسبوق في أسعار شواهد القبور البسيطة (يصل إلى 20 إلى 30 مليون تومان) أصبح لا يُطاق للعديد من العائلات لدرجة أن الطلب على الدفعات المقسمة على عدة أشهر قد ازداد، وحتى سوق الأحجار المستعملة قد ازدهر. هذه الرواية المريرة تصف مجتمعاً “يشتري فيه الناس الموت أيضاً بالتقسيط”. بعبارة أخرى، في الأرض التي حل فيها القسط محل القدرة الشرائية، “حتى الموت عليه ديون”.
هذا الوضع هو مصداق لقصيدة الراحل أحمد شاملو في ديوانه “آيدا في المرآة”:
لم أخش الموت أبداً – رغم أن يديه كانت أوهى من الابتذال. خوفي ــ كل خوفي ــ هو من الموت في أرض- يكون فيها أجر حفار القبور- أكثر من ثمن حرية الإنسان.
الصلة بين الفقر الهيكلي والنظام الريعي
هذا الفقر الهيكلي العميق متجذر في مجموعة من القرارات السياسية والاقتصادية التي هي سمة الأنظمة الريعية. تشير البيانات الرسمية إلى أن التضخم العام في البلاد تجاوز 45%، وأن تضخم المواد الغذائية على أساس سنوي ارتفع من 23.8% إلى 57.9% خلال عام واحد. ارتفعت أسعار بعض المواد الأساسية مثل الخبز والألبان بنسبة تصل إلى 94%، مما زاد من الفقر الهيكلي (تستند المعلومات الإحصائية للمقال إلى “بهار نيوز”، “من خبز الليل إلى شاهد القبر؛ الناس في طوابير أقساط الفقر”، 4 نوفمبر 2025). السؤال الآن هو: هل هذا الإفقار المروع في بلد يتمتع بثروات طبيعية هائلة، هو عملية عفوية أم أن سياسات النظام الكلية لشل حركة الناس وصانعي الانتفاضات هي التي تمنحها المجال؟!
بينما تتحدث المراجع الرسمية عن نمو اقتصادي وهمي، يُجبر الناس على شراء خبزهم ببطاقة الائتمان… لقد فقدت سلة معيشة معظم الناس، وخاصة الشرائح الدنيا، القدرة على التكيف مع التضخم الجامح واستبدلت كرامتها بالمديونية.
إن “نظام الأقساط” الحالي لا يعتبر استمرار المديونية خياراً اقتصادياً، بل ضرورة للبقاء؛ إنه يربط حياة المواطنين، من خبز ليلتهم إلى شاهد قبرهم، بطوابير الأقساط الطويلة. فهل مع هذا النموذج، يمكن تصور طريق آخر سوى التمرد لكسر هذا النظام الشيطاني؟
- انهيار الطبقة الوسطى وتمدد الفقر.. مدن إيران تفقد روحها تحت وطأة الفساد والحروب

- من الجفاف إلى غلاء الأسعار.. سياسات النظام الإيراني تدمر الإنتاج وتعمق الجوع

- مليارات مهدورة وأزمة سكن خانقة.. المشاريع غير المكتملة تفضح الفساد الهيكلي لـ النظام الإيراني

- بنادق على الشاشات وانهيار في الشوارع.. المسرحية الهزلية لـ النظام الإيراني

- هُزم في كافة الجبهات.. النظام الإيراني يتمسك بحرب نفسية يائسة لتأجيل سقوطه

- انهيار سوق العمل.. إحصاءات صادمة تكشف حجم الكارثة الاقتصادية في إيران


