القنبلة مقابل الخبز: كيف أخذ المشروع النووي الإيراني الاقتصاد كرهينة؟
لم يكن المشروع النووي الطموح لنظام ولاية الفقيه، منذ بدايته، مشروعًا علميًا أو صناعيًا، بل كان تعبيرًا عن ضرورة حيوية لعقيدة النظام السياسية. فبعد نهاية الحرب العراقية الإيرانية، اضطر النظام إلى اللجوء إلى السلاح النووي لضمان بقائه واستمرار مساره في “إرهاب الدولة”. لقد نبع هذا التوجه من إدراك أنه في هيكل عالمي قائم على القوة، لن يتمكن هذا النظام من الحفاظ على مكانته دون امتلاك قنبلة ذرية.
في اعتراف رسمي يكشف عن عمق الأزمة التي تعصف بإيران، أعلن مركز الإحصاء التابع للنظام أن معدل التضخم قد بلغ 48.6% على أساس سنوي في شهر أكتوبر. هذا الرقم، الذي يعتبره العديد من الخبراء أقل من الواقع، ليس مجرد إحصائية اقتصادية
اعتراف متأخر: الاقتصاد رهينة للسياسة
الأمر المثير للدهشة هو الاعتراف الصريح من قبل خبير اقتصادي بارز، محمود جامساز، بالطبيعة السياسية غير المبررة اقتصاديًا لهذا البرنامج. في مقابلة مع صحيفة “جهان صنعت” نُشرت في 28 أكتوبر 2025 (تحت عنوان “الاقتصاد رهينة للسياسة”)، يؤكد جامساز:
“القضية النووية ذات طبيعة سياسية أكثر من كونها اقتصادية. في الواقع، تم أخذ الاقتصاد كرهينة في هذا المسار. ومهما كان حجم الموارد التي تُنفق في هذا المجال، فإنه لا يزال يعتبر غير كافٍ لأن الموضوع له جانب ردعي ويتم تعريفه ضمن إطار الأهداف الأيديولوجية وعقيدة النظام”.
“القنبلة الذرية لا تجلب التنمية”
يفكك جامساز الأسطورة التي يروج لها النظام، متسائلاً عما إذا كان امتلاك القنبلة يؤدي بالضرورة إلى التنمية الاقتصادية. ويجيب بالنفي، مؤكدًا أن “القنبلة الذرية لا تجلب التنمية”.
ولإثبات وجهة نظره، يقدم مقارنة صارخة بين الدول المسلحة نوويًا والدول الناجحة اقتصاديًا. يشير إلى دول مثل كوريا الشمالية والهند وباكستان، ويقارنها بكوريا الجنوبية. ويوضح:
“على الرغم من أن كوريا الشمالية (المسلحة نوويًا) كانت تمتلك 95% من الموارد الجوفية عند الانفصال، إلا أن الناتج المحلي الإجمالي لكوريا الجنوبية (غير النووية) اليوم يبلغ حوالي 1700 مليار دولار، وهو أكبر بـ 50 مرة من الناتج المحلي لكوريا الشمالية (30 مليار دولار فقط). كما أن نصيب الفرد من الدخل في كوريا الجنوبية (30 ألف دولار) يزيد 30 مرة عن نظيره في كوريا الشمالية (1000 دولار)”.
ويخلص جامساز في تحليله لصحيفة “جهان صنعت” إلى أن هذا الفارق الهائل ليس ناتجًا عن السلاح النووي، بل هو “نتيجة لرأس المال البشري، والبنية التحتية، والسياسات الاقتصادية الصحيحة”.
في الوقت الذي تتجه فيه أنظار العالم إلى تطورات الحرب في غزة، يواجه الشعب الإيراني عدوًا داخليًا لا يقل فتكًا: الفساد السياسي والاقتصادي لنظام حاكم تغلغلت آثاره في نسيج حياتهم اليومية. هذه الأزمة، التي تبتعد عن الأضواء العالمية، هي المحرك الحقيقي لمعاناة الإيرانيين
الطريق الحقيقي للتنمية.. ودور المقاومة في كشف الحقيقة
بعد عقود من تبديد الثروات، يقر هذا الخبير الاقتصادي بأن التقدم لا يأتي من العسكرة، بل من تخصيص الموارد بكفاءة. إن الدولة القوية هي التي تمتلك اقتصادًا قويًا يحظى بمصداقية عالمية، مشيرًا إلى أن الدول الاسكندنافية واليابان وكوريا الجنوبية والغرب تحتل صدارة التصنيفات الائتمانية العالمية، بينما تقبع الدول المسلحة نوويًا ذات الاقتصاد الضعيف في الأسفل.
هذا الاعتراف المتأخر، يؤكد ما أعلنته المقاومة الإيرانية منذ البداية. لقد كان المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية هو الذي كشف في 10 مارس 2004 عن اجتماع سري للمجلس الأعلى للأمن القومي بحضور خامنئي، تم فيه اتخاذ قرار المضي قدمًا في مشروع القنبلة سرًا. وكان الدور الوطني الذي لعبته منظمة مجاهدي خلق الإيرانية في فضح هذا المشروع هو ما أوقف مساره السري، وهو دور اعترف به النظام ووسائل إعلامه مرارًا.
يثبت هذا التحليل من داخل إيران أن المشروع النووي لم يكن أبدًا من أجل الشعب أو التنمية، بل كان دائمًا، وفقط، من أجل ضمان بقاء “النظام الشيطاني”، حتى لو كان الثمن هو أخذ الاقتصاد الوطني كرهينة وتدمير مستقبل الأجيال القادمة.
- أزمةٌ وجودية لا تحلها حرب ولا مفاوضات: قراءة في خيارات بقاء نظام الولي الفقيه
- انقسامٌ حاد يضرب بنية النظام الإيراني: صراع الأجنحة ينتقل إلى مجلس الخبراء والحوزات العلمية
- لماذا يسعى النظام الإيراني إلى تنظيم مراسم تشييع خامنئي في العراق؟
- ما بعد جحيم التضخم: خيار الشارع الإيراني يتحول من الإصلاح إلى الإطاحة الجذرية بالنظام الكهنوتي
- فرصة مؤقتة أم بداية النهاية؟ قراءة في مستقبل النظام الإيراني بعد مذكرة التفاهم
- لماذا ترتعد فرائص الشاه والملالي من المقاومة الإيرانية؟
