تصفية “بنك آينده” بديون تريليونية: رمز لانهيار النظام المصرفي الإيراني وأوهام قادته
في إعلان رسمي يجسد عمق الأزمة المالية والهيكلية في إيران، أعلن محافظ البنك المركزي عن تصفية “بنك آينده” ودمجه في “بنك ملي” (البنك الوطني) اعتباراً من 23 أكتوبر 2025. هذه الخطوة، التي يصفها المراقبون بأنها نهاية لواحد من أكثر البنوك الخاصة إثارة للجدل، هي في الحقيقة عرض من أعراض انهيار شامل للنظام المصرفي تحت حكم النظام الإيراني.
وزعم محافظ البنك المركزي، محمد رضا فرزين، أنه لن يتم نقل أي “اختلالات مالية” من بنك آينده إلى بنك ملي. لكن هذا الادعاء يتناقض بشكل صارخ مع التقارير الرسمية التي تقدر الخسائر المتراكمة للبنك بما يتراوح بين 400 و 550 ألف مليار تومان، وهو رقم غير مسبوق في تاريخ النظام المصرفي الإيراني. لقد سقط هذا البنك، الذي تأسس عام 2012، في هوة الإفلاس بسبب الإدارة الفاسدة، منح قروض ضخمة دون ضمانات كافية، ونسبة كفاية رأس مال سلبية بلغت 140%.
توقع صندوق النقد الدولي، الخميس 20 تشرين الأول/أكتوبر، مع صدور تقريره الأخير حول الوضع الاقتصادي في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، أن تصل ديون حكومة الملا رئيسي إلى ما يعادل 30.6% من الناتج المحلي الإجمالي هذا العام
ويؤكد المحللون أن جذور أزمة بنك آينده لا تكمن في سوء إدارة فردية، بل في سياسات النظام المالية والمصرفية، حيث تُستخدم البنوك كأدوات لتمويل نفقات الحكومة والشركات شبه الحكومية والمشاريع الريعية بدلاً من دعم قطاع الإنتاج. وحتى رئيس السلطة القضائية للنظام اعترف بأنه تم “إجبار” البنك المركزي على اتخاذ هذا القرار، مما يثبت أن القرارات الاقتصادية الكبرى تُتخذ تحت ضغط سياسي لا بمنطق فني. السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: من سيتحمل عبء هذه الخسائر الفلكية؟ الجواب، كما يحذر الخبراء، هو المودعون وعموم الشعب الإيراني.
من الانهيار الاقتصادي إلى الأوهام السياسية
في خضم هذا الانهيار الاقتصادي الواضح، يحاول قادة النظام التشبث بأوهام سياسية لتغطية فشلهم. فقد ادعى محمد باقر قاليباف، رئيس برلمان خامنئي، أن معارضة قوتين عالميتين (الصين وروسيا) لآلية إعادة فرض العقوبات (سناب باك) هي دليل على “نظام عالمي جديد” لصالح إيران.
لكن ما مدى صحة هذا الادعاء؟
لنستمع إلى خبير من داخل النظام نفسه. سعيد شريعتي، محلل سياسي حكومي، يفضح هذا الوهم قائلاً: “نفس هذه الصين التي تعتمدون عليها هي الآن أكبر مستثمر في ميناء حيفا وتل أبيب. الصين وروسيا سيبيعوننا بثمن بخس، سيبيعوننا بدولارين!”.
في الوقت الذي تتجه فيه أنظار العالم إلى تطورات الحرب في غزة، يواجه الشعب الإيراني عدوًا داخليًا لا يقل فتكًا: الفساد السياسي والاقتصادي لنظام حاكم تغلغلت آثاره في نسيج حياتهم اليومية. هذه الأزمة، التي تبتعد عن الأضواء العالمية، هي المحرك الحقيقي لمعاناة الإيرانيين
فلماذا يروج قاليباف لمثل هذا الوهم؟
السبب بسيط: إنهم يعيشون حالة من الهزيمة الداخلية، ويحاولون بث أمل كاذب في صفوفهم عبر التشبث بدعم وهمي من الصين وروسيا. لكن هذه الأكاذيب لا تصمد لثوانٍ.
الحقيقة على الأرض هي أن آلية “سناب باك” قد تم تفعيلها بالفعل، وعادت العقوبات الدولية ضد النظام بشكل أشد من السابق، كما أعلنت الأمم المتحدة رسميًا إعادة تفعيل قراراتها. إصرار شخصيات مثل عراقجي وقاليباف على أن شيئًا لم يحدث هو حديث من “عالم الأرواح”، لأن الواقع يروي قصة مختلفة تمامًا.
تصفية بنك آينده ليست مجرد حدث مالي، بل هي رمز لطريق اقتصادي مسدود وصل إليه النظام الإيراني. طريق مهدته سنوات من الفساد الممنهج وغياب المساءلة. وفي الوقت نفسه، تُظهر تصريحات قادة مثل قاليباف أن الانهيار الاقتصادي يسير جنبًا إلى جنب مع الإفلاس السياسي والتشبث بأوهام لم تعد قادرة على خداع أحد.




