بيان سجناء سياسيون في إيران: عندما تتحول السجون إلى خارطة للمقاومة
يمثل البيان الأخير الذي أصدره السجناء السياسيون من أنصار منظمة مجاهدي خلق الإيرانية من سجون مختلفة في جميع أنحاء البلاد وثيقة حية للصلة بين النضال من أجل الحرية والصمود الإنساني. هذا النص، الذي نُشر بمناسبة الذكرى الستين لتأسيس المنظمة، يتجاوز كونه مجرد رسالة داخلية، ويمكن اعتباره انعكاسًا للذاكرة التاريخية والأفق السياسي لتيار عميق الجذور.
في بداية رسالتهم، يذكّر السجناء السياسيون، بعد تهنئة الشعب الإيراني وقوى المقاومة بذكرى تأسيس المنظمة، بأن “مجاهدي خلق الصامدين في مجزرة عام 1988 قد ارتقوا وهم يهتفون باسمه (قائد المقاومة) ويرسلون له التحية، فأصبحوا خالدين”. هذه الإشارة المباشرة إلى دور قيادة المقاومة وارتباطها بالذاكرة الجماعية لمذبحة السجناء السياسيين عام 1988، تُظهر بوضوح أن ذاكرة القمع والصمود لا تزال تشكل محور الهوية السياسية لهذا التيار.
ويستحضر البيان بلغة شاعرية وسياسية في آن واحد، مؤسسي المنظمة كأشخاص “حولوا الشتلة التي غرسوها قبل 60 عامًا إلى شجرة باسقة، بمقاومتهم وصمودهم في غرف التعذيب والزنازين المظلمة”. هذه الاستعارة، بالإضافة إلى بعدها الأدبي، تحمل تحليلًا تاريخيًا: إن استمرارية منظمة مجاهدي خلق لا يجب البحث عنها في الظروف السهلة، بل في خضم “العواصف السياسية الهوجاء” والمواجهة مع ديكتاتوريتين متتاليتين. من هذا المنظور، فإن تاريخ هذه المنظمة هو نموذج للعلاقة المعقدة بين السياسة والأخلاق، وهو ما أسماه السجناء “الصلة بين السياسة والشرف”.
يؤكد البيان على اقتباس من الرئيسة المنتخبة للمجلس الوطني للمقاومة: “إن هدف المجلس الوطني للمقاومة ليس اكتساب السلطة، بل نقلها إلى الشعب”. هذا التأكيد يبرز الحدود الفاصلة بين المنظمة والعديد من الحركات السياسية في تاريخ إيران المعاصر. وبهذا، يضع مجاهدو خلق، بصفتهم البديل السياسي، أساس شرعيتهم على الديمقراطية ونقل السلطة؛ وهو أمر يمكن اعتباره ردًا نظريًا على التجربة المريرة للاستبداد الملكي والديكتاتورية الدينية.
ومن النقاط الرئيسية الأخرى في هذه الرسالة، إعادة قراءة التحالف القديم بين الملكية ورجال الدين الرجعيين. يصرح البيان بأن “التحالف المشؤوم بين الشاه والملالي الرجعيين ضد الحرية وسيادة الشعب مستمر منذ 120 عامًا حتى الآن”. هذا التحليل يشمل سلسلة من الأحداث التاريخية: من تحالف الشيخ فضل الله نوري مع محمد علي شاه، إلى توافق آية الله الكاشاني مع محمد رضا شاه ضد مصدق، وصولًا إلى التعاون الضمني بين التيار الشاه والجمهورية الإسلامية.
ولعل أبرز جزء في البيان هو القائمة الطويلة للسجون التي ذكرها السجناء السياسيون الحاليون؛ من إيفين وقزل حصار إلى السجون الأقل شهرة في مدن مثل فومن ولاهيجان وجيرفت. هذه القائمة ليست مجرد ملحق معلوماتي، بل هي وثيقة تاريخية تثبت كيف تحولت جغرافيا السجون إلى خريطة للمقاومة. فالسجون، بتعبير البيان، كانت “شاهدة صامتة على ملاحم وأجساد ثوار عظماء مثل أشرف رجوي، وموسى خياباني، وفاطمة أميني”. وهكذا، وبفضل صمود السجناء، أصبحت السجون في الذاكرة السياسية الإيرانية مكانًا لإعادة إنتاج هوية المقاومة.
في الختام، يجدد السجناء السياسيون عهدهم مع الشعب وقضية الحرية، معلنين: “صامدون ومناضلون حتى آخر نفس وآخر قطرة دم في سبيل حرية وطننا الأسير، ولن نتراجع خطوة واحدة”. هذه الجملة ليست مجرد إعلان موقف فردي، بل هي تجلٍ لإرادة جماعية تتجدد باستمرار في تاريخ النضالات السياسية الإيرانية؛ إرادة يمكن اعتبارها حلقة الوصل بين ماضي الحركة ومستقبلها.
إن بيان السجناء السياسيين من أنصار منظمة مجاهدي خلق الإيرانية هو نص استراتيجي ومؤثر. استراتيجي لأنه يؤكد، في خضم أزمات الفاشية الدينية، على استمرارية بديل المقاومة وشرعيته التاريخية. ومؤثر لأنه يربط بين ذكرى السجون والشهداء والمؤسسين، ويقدم رواية كبرى عن “الصمود في وجه الاستبداد”، ويعيد خلق ذاكرة جماعية تقوم على ثلاثة محاور: المقاومة، والشرعية الديمقراطية، والاستمرارية التاريخية. وفي الذكرى الستين لحياة منظمة مجاهدي خلق المليئة بالفخر، نعتبره فألًا حسنًا.
- النظام الإيراني يرفض تسليم جثامين ستة من شهداء مجاهدي خلق إلى عائلاتهم
- مشانق أيقظت ضمير العالمي: إعدامات النظام الإيراني تفشل في إسكات المقاومة وتشعل الغضب الداخلي والدولي
- بي إف إم الفرنسية: السلام في المنطقة مرهون بإسقاط النظام الإيراني عبر انتفاضة شعبية منظمة
- حُميرا حسامي عبر OANN: المشانق في الداخل تفضح النظام، وإسقاط الولي الفقيه بأيدي المقاومة لا بالقنابل
- مؤتمر في باريس بحضور السيدة مريم رجوي.. إعدامات الولي الفقيه لن توقف حتمية التغيير
- دومينيك أتياس تستنكر إعدامات نظام الولي الفقيه وتطالب بتدخل دولي ملموس







