الانهيار المعيشي في إيران.. إفلاس النظام يسرّع الانفجار الشعبي
تكشف المعطيات الميدانية والإحصاءات الصادرة عن الهيئات العمالية في إيران عن انهيار كارثي غير مسبوق في القدرة الشرائية للطبقات الكادحة، مع قفزة تكلفة سلة المعيشة للأسرة العاملة إلى 90 مليون تومان شهرياً، في مقابل أجور مجمدة لا تتجاوز 25 مليون تومان ولا تغطي سوى نفقات ثمانية أيام في الشهر. وفي ظل تسخير نظام الولي الفقيه لمقدرات البلاد وثرواتها لتمويل أجهزة حرس النظام الإيراني والمشاريع العسكرية الإقليمية، تتسع رقعة الفقر المطلق ويدخل الاقتصاد مدار التضخم الجامح، ليتحول مفهوم المعيشة إلى صراع يومي من أجل البقاء، واضعاً البلاد أمام احتقان اجتماعي ينذر بجولة جديدة من الانتفاضات الشعبية.
اتساع الفجوة الطبقية وسقوط الملايين تحت خط البقاء
تؤكد التقارير والبيانات الصادرة عن وسائل الإعلام العمالية وشبه الرسمية في طهران تحول مفهوم المعيشة في الجغرافيا الإيرانية إلى مجرد كفاح مرير من أجل البقاء على قيد الحياة؛ حيث أظهرت حسابات سلة معيشة الأسر العمالية أن الحد الأدنى المطلوب لاستمرار عائلة مكونة من ثلاثة أفراد بات يتطلب دخلاً شهرياً يصل إلى 90 مليون تومان، في حين أن الغالبية الساحقة من العمال والموظفين لا يتقاضون حتى نصف هذا المبلغ.
ويتزامن هذا التآكل الحاد في القدرة الشرائية مع قفزات جنونية في أسعار السلع الأساسية والمواد الغذائية؛ إذ تجاوز معدل التضخم النقطي في سلة الأغذية حاجز 128 في المئة، بينما بلغ التضخم النقطي العام للاقتصاد قرابة 88 في المئة. ويعكس هذا الارتفاع المتسارع تحول اللحوم، ومنتجات الألبان، والأرز، والبقوليات إلى سلع كمالية بعيدة المنال عن موائد ملايين الأسر، مما يفضح فقدان السلطة النقدية لأي قدرة على السيطرة، وانزلاق البلاد نحو مدار التضخم المفرط وتجويع الفئات الهشة.
الاستغلال الحكومي وسحق الأجور الممنهج
تجسد السياسات المتبعة من قِبل المجلس الأعلى للعمل وجهاً بارزاً للقمع الاقتصادي؛ إذ تعمل هذه الهيئة كذراع تنفيذية لتثبيت أجور هزيلة وقسرية لا تتناسب إطلاقاً مع نسب الغلاء والتضخم الشهري المتصاعد. وتشير التحليلات العمالية المستقلة إلى أن دخل العامل المتزوج مع طفل واحد وسنة خبرة لا يتجاوز 24.9 مليون تومان باحتساب كافة العلاوات والمزايا، وهو ما يعري الحجم الحقيقي للهوة المعيشية.
وتكشف الأرقام الميدانية تراجع القدرة التغطوية للأجور بصورة غير مسبوقة؛ فبعد أن كانت الأجور تغطي نحو 58 في المئة من نفقات المعيشة (ما يكفي لنحو 17 يوماً) في بداية العام الإيراني، هوت نسبة التغطية لتصل إلى 27.58 في المئة فقط مع حلول شهر أغسطس 2026. ويعني هذا التراجع أن الأجر الشهري بات ينفد بالكامل خلال 8 أيام فقط، ليقضي العمال وأسرهم أكثر من 20 يوماً من كل شهر في حرمان تام وعجز عن تأمين أبسط متطلبات الحياة، نتيجة ارتفاع تكاليف المعيشة بأكثر من 211 في المئة خلال أربعة أشهر فقط، في نقل ممنهج لأزمات عجز الموازنة إلى جيوب الفقراء.
سلطة الولي الفقيه والنهب الهيكلي لثروات البلاد
يرتبط هذا الانسداد الاقتصادي الكارثي بالبنية السياسية الاستبدادية لنظام الولي الفقيه؛ حيث تخضع مفاصل الإنتاج القومي، والموارد النفطية، والعملات الأجنبية، وصناعات البتروكيماويات، والمناجم الكبرى لاحتكار الكارتلات والشركات القابضة التابعة مباشرة لبيت الولي الفقيه وقوات حرس النظام الإيراني. وتعمل هذه المؤسسات خارج نطاق الرقابة العامة والمحاسبة الضريبية، مما أدى إلى تجريف وتدمير القطاعات الإنتاجية والصناعية الوطنية لحساب مافيات الفساد.
وفي المقابل، توجه المنظومة الحاكمة ثروات الشعب الإيراني نحو تمويل الأذرع والشبكات الإقليمية، وتطوير الترسانة الصاروخية، وتعزيز ميزانيات أجهزة القمع والترهيب الداخلي، بدلاً من توظيفها في تحسين البنية التحتية، وتطوير قطاعي التعليم والرعاية الصحية، وتأمين الرفاه الاجتماعي. إن هذا النموذج القائم على النهب والتفقير يثبت عجز النظام البنيوي عن تقديم أي حلول حقيقية للأزمة، مؤكداً أن إنقاذ الطبقة العاملة وتحقيق العدالة الاجتماعية يرتبطان ارتباطاً وثيقاً بإنهاء سلطة الفاشية المتسترة بعباءة الدين وإسقاط الاستبداد الحاكم.
تُجسد قفزة سلة المعيشة إلى 90 مليون تومان الوجه القبيح لسياسات التجويع والإفقار الممنهج التي يفرضها نظام الولي الفقيه على الشعب الإيراني لحماية بقائه وتمويل منظومته الأمنية؛ إن عجز الأجور عن تغطية نفقات ثمانية أيام واحتكار أجهزة حرس النظام لمفاصل الاقتصاد يحولان الضغوط المعيشية إلى طاقة غضب كفاحية لا يمكن إطفاؤها. وتؤكد الوقائع أن خلاص العمال والمحرومين من دوامة السحق الاقتصادي يمر حتماً عبر كسر قيود الاستبداد واستعادة الثروات المنهوبة لبناء جمهورية ديمقراطية حرة تكفل العيش الكريم والعدالة الاجتماعية لكافة أبناء الشعب.
- إيران على حافة الانفجار.. انهيار اقتصادي وتفكك داخلي وغضب شعبي متصاعد

- الانهيار المعيشي في إيران.. إفلاس النظام يسرّع الانفجار الشعبي

- رويترز: مخاوف متزايدة لدى قادة إيران من اندلاع احتجاجات واسعة

- تجارة الحجب بمليارات الدولارات.. كيف تحول قمع الإنترنت إلى منجم أرباح لشبكات الفساد في طهران؟

- إيران.. راتب العامل لا يكفي سوى 9 أيام وتضخم الغذاء يتجاوز 128 في المئة


