الرئيسيةأخبار إيرانمن اختبار الأسعار إلى كابوس الانفجار: كيف يهدد غلاء البنزين بإشعال انتفاضة...

من اختبار الأسعار إلى كابوس الانفجار: كيف يهدد غلاء البنزين بإشعال انتفاضة شاملة في إيران؟

0Shares

من اختبار الأسعار إلى كابوس الانفجار: كيف يهدد غلاء البنزين بإشعال انتفاضة شاملة في إيران؟

لم تكن الصدمة التي أحدثتها التسعيرة التجريبية المفاجئة للبنزين، والتي قاربت سبعة وثمانين ألف تومان في محافظة كرمان، مجرد إجراء إداري عابر أو خطأ تقني مؤقت؛ بل شكلت انعكاساً مادياً وبليغاً للانسداد التاريخي الشامل الذي يطوق نظام الولي الفقيه في طهران. وتجد السلطة الحاكمة نفسها اليوم عالقة في معادلة موت مستحيلة تجمع بين قطبين متنافرين: إشعال الحروب الإقليمية لصرف الأنظار عن الأزمات الداخلية، ومواجهة الانهيار الاقتصادي الوشيك الناتج عن تكاليف تلك المغامرات؛ مما يدفع النظام إلى محاولة يائسة لانتزاع نفقات آلته القمعية من موائد المحرومين، في مغامرة غير محسوبة تضع البلاد بأسرها على شفا انفجار شعبي عارم.

أين ذهبت 228 مليار دولار؟ بيانات البنك المركزي تكشف خروج 60% من فوائض إيران

كشفت صحيفة «دنياي اقتصاد» الحكومية، استنادا إلى بيانات البنك المركزي الإيراني، عن أرقام ضخمة تتعلق بمصير عائدات إيران الخارجية خلال نحو ثلاثة عقود، مشيرة إلى أن 228 مليار دولار خرجت من البلاد أو لم تعد إلى دورة الاقتصاد الإيراني خلال الفترة من عام 1997 حتى عام 2025. وبحسب التقرير، بلغت عائدات الصادرات الإيرانية خلال هذه الفترة نحو 2.34 تريليون دولار، مقابل واردات بلغت قيمتها نحو 1.98 تريليون دولار، وبذلك كانت الإيرادات المتأتية من الصادرات أعلى بكثير من نفقات الاستيراد، فيما بلغ فائض الحساب الجاري، وفقا لأرقام البنك المركزي، نحو 379.5 مليار دولار. لكن اللافت هو مصير هذا الفائض الضخم.

تعيش منظومة الولي الفقيه حالة من التخبط الاستراتيجي غير المسبوق؛ فمن جهة، ترى السلطة في افتعال التوترات وتأجيج الحروب الخارجية ضرورة حيوية لبناء سدود أمنية تحول دون تمدد موجات الانتفاضة الشعبية المتراكمة، وتبرر تشديد القبضة البوليسية في الداخل. ومن جهة ثانية، تسببت التكاليف العسكرية الباهظة لتلك المغامرات، بالتوازي مع العقوبات والعزلة الدولية وتصاعد معدلات التضخم الشهري، في شل الاقتصاد الوطني ودفع الخزينة العامة إلى حافة الإفلاس التام. وأمام هذا العجز الهيكلي، لم يتبقَّ أمام منظومة الفساد سوى اللجوء إلى جيوب المواطنين المنهكين، في محاولة لتعويض خسائرها المالية وتمويل ترسانة حرس النظام الإيراني ومؤسسات القمع على حساب حرمان الملايين من أدنى مقومات العيش الكريم.

وتكشف مناورات جس نبض الشارع، عبر التلويح بأرقام فلكية لأسعار الوقود ثم التراجع عنها بصورة فورية، عن حجم الذعر الذي يسيطر على أروقة صنع القرار في طهران. وتلجأ الأجهزة الحكومية إلى أساليب الخداع النفسي لترويض الرأي العام؛ حيث تُطرح تسعيرات باهظة كصدمة أولية لامتصاص ردود الفعل الغاضبة، بهدف جعل الزيادات اللاحقة تبدو وكأنها خيار معقول وقابل للهضم، بينما الهدف الحقيقي يكمن في فرض زيادات قسرية تنهك الطبقات الكادحة. إلا أن هذه الحسابات الملتوية تصطدم بوعي مجتمعي متراكم؛ فالشارع الإيراني لم يعد مستعداً لتحمل فاتورة فساد مؤسسات الولي الفقيه التي تستحوذ على الموارد الوطنية وتترك المواطنين يصارعون الغلاء الفاحش وتآكل القوة الشرائية.

تدرك أوساط النظام وخبراؤه أن المساس بأسعار الوقود ليس مجرد تعديل في ميزانية الدولة، بل هو شرارة قادرة على إشعال بركان الغضب الشعبي المكبوت. وتتوالى التحذيرات من داخل أجهزة السلطة ذاتها خشية تكرار أحداث انتفاضة نوفمبر 2019، التي أثبتت أن قراراً اقتصادياً متهوراً يمكن أن يتحول في غضون ساعات إلى انتفاضة سياسية كبرى تهدد أركان الاستبداد. إن الذاكرة الجمعية للمجتمع الإيراني، المثقلة بدماء الشهداء ومعاناة المعتقلين، تجعل من أي محاولة لرفع أسعار المحروقات بمثابة إعلان مواجهة مباشرة مع جماهير لم يعد لديها ما تخسره في ظل انتشار الفقر والبطالة وانسداد الآفاق.

إن الجذور الحقيقية لما يُسمى بعجز الطاقة في إيران لا تعود إلى أنماط الاستهلاك الشعبي أو المعطيات الفنية، بل هي نتاج عقود من سوء الإدارة والنهب المنظم الذي تمارسه مافيات حرس النظام الإيراني والمؤسسات التابعة للولي الفقيه؛ حيث بُددت مئات المليارات من عائدات النفط والغاز في تمويل مشاريع التسلح والميليشيات الإقليمية بدلاً من تحديث المصافي وتطوير البنية التحتية لقطاع الطاقة. إن الإصرار على تحميل المواطنين أوزار هذا الفشل البنيوي يحول ملف البنزين من قضية معيشية إلى صاعق تفجير سياسي، يعري عجز الديكتاتورية عن البقاء دون إفقار المجتمع، ويؤكد أن كسر حلقة الفقر يبدأ بكسر شوكة الاستبداد.

أسعار البنزين في إيران.. صاعق تفجير يخيف النظام من انتفاضة جديدة

تحول ملف أسعار البنزين والوقود في إيران خلال العقد الأخير إلى صاعق تفجير سياسي مباشر يهدد استقرار نظام الولي الفقيه؛ حيث تكشف التحركات الحكومية الأخيرة ومحاولات جس نبض الشارع عبر زيادات تجريبية في الأسعار عن حالة ذعر عميقة تسود أروقة صنع القرار في طهران من اندلاع انتفاضة شعبية عارمة تماثل انتفاضة نوفمبر 2019. وفي ظل التدهور المعيشي المستمر واستنزاف موارد البلاد لصالح الترسانة العسكرية وأجهزة حرس النظام الإيراني، لم تعد أزمة الوقود مجرد خلل اقتصادي بين العرض والطلب، بل تحولت إلى تجسيد حي للصراع الجذري بين مجتمع يقف على حافة الانفجار وسلطة تعاني من إفلاس بنيوي شامل.

يقف المجتمع الإيراني اليوم كبرميل بارود مضغوط بالغضب والاحتقان، حيث تتلاقى أزمات التضخم الشهري وتدهور الرواتب مع الرغبة العارمة في التحرر واستعادة الكرامة المسلوبة. وتدرك الدوائر الأمنية أن أدوات الترهيب والقمع والإعدامات لم تعد قادرة على احتواء الرفض الشعبي؛ فمحاولة تمويل ماكينة الحرب والبطش من قوت الفقراء لن تؤدي سوى إلى تسريع وتيرة الانفجار الاجتماعي الحتمي. إن أي خطوة غير محسوبة لرفع الأسعار ستتحول إلى طوفان ثوري يجرف أوهام السلطة، ويضع حداً لعهد الهيمنة المطلقة، مؤكداً أن إرادة التغيير لدى الشعب الإيراني ووحدات مقاومته الباسلة باتت أقوى من كل محاولات التضليل والترهيب.

يجسد مأزق تسعير الوقود في إيران حقيقة الانسداد الشامل الذي يواجهه نظام الولي الفقيه؛ إذ لم يعد قادراً على تمويل آلة الحرب والقمع دون السطو على لقمة عيش المواطنين، ولا قادراً على تمرير هذا النهب دون إشعال شرارة انتفاضة شعبية كبرى تعيد أمجاد نوفمبر 2019. إن محاصرة النظام بين الإفلاس الاقتصادي والغليان الاجتماعي تثبت أن معركة البنزين لم تعد نزاعاً معيشياً، بل صراعاً وجودياً يدفع الشارع الإيراني نحو خيار الثورة الشاملة لإسقاط الاستبداد واستعادة مقدرات الوطن.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة