الرئيسيةأخبار إيران7 ديسمبر يوم الطالب في إيران: الجامعة كمعقل للمقاومة وكابوس للاستبداد

7 ديسمبر يوم الطالب في إيران: الجامعة كمعقل للمقاومة وكابوس للاستبداد

0Shares

7 ديسمبر يوم الطالب في إيران: الجامعة كمعقل للمقاومة وكابوس للاستبداد

لا يمكن اختزال “يوم الطالب” في إيران، الموافق للسابع من ديسمبر، في مجرد مناسبة بروتوكولية أو ذكرى سنوية عابرة. فهذا التاريخ يمثل علامة سياسية حية في الذاكرة الجمعية الإيرانية؛ علامة يُعاد إنتاجها سنوياً في خضم الأزمات المتلاحقة، لتعيد صياغة العلاقة بين المجتمع والسلطة. إنه نقطة تلاقٍ بين الذاكرة والمقاومة والواقع السياسي؛ حيث لا يتم استحضار الماضي كذكريات مجمدة، بل كمصدر فعال ومُلهم للفعل الثوري المعاصر.

الجامعة: مؤسسة “ضد السلطة”

منذ نشأتها، شكلت الحركة الطلابية في إيران قوة سياسية مارست دوراً رقابياً وثورياً تجاه السلطة. ولم يكن هذا التمرد يعني الفوضى، بل استهدف تفكيك الأنظمة القائمة على الإخضاع والصمت وإعادة إنتاج الاستبداد. بهذا المعنى، تحولت الجامعة إلى “مؤسسة ضد السلطة” ؛ كيان يقع هيكلياً في حالة توتر دائم مع أي شكل من أشكال الحكم الشمولي.

يُظهر تحليل تاريخ الحركة الطلابية الممتد لـ 70 عاماً أن العنصر الجوهري في استمراريتها هو الارتباط العضوي بين الجامعة ومشروع الحرية الذي لم يكتمل بعد في إيران. لطالما كانت الجامعة مصنعاً للذوات المتمردة التي تزيح حدود الممكن في السياسة. ومن هذا المنظور، فإن حملات القمع المستمرة – من إغلاق الجامعات إلى التصفيات الواسعة، ومن حرمان الطلاب من التعليم (الطلاب المقيدون أمنيا) إلى العسكرة الهيكلية للفضاء الأكاديمي – ليست دليلاً على ضعف الحركة الطلابية، بل هي اعتراف ضمني من قبل نظام الولي الفقيه بالدور الذي تشكله الجامعة كتهديد وجودي له.

7 ديسمبر؛ يوم الطالب، تذكير بصخب احتجاجات ومقاومة الطلاب الإيرانيين

 في إيران، يُعرف السابع من ديسمبر بيوم الطالب الجامعي، اليوم الذي يذكّر بصخب احتجاجات ومقاومة الطلاب الإيرانيين ضد ديكتاتورية الشاه بعد الانقلاب المشين في 19 أغسطس. في 7ديسمبر 1953، واجه طلاب جامعة طهران الأحرار بنادق جنود الشاه المستعدين للإطلاق

من 2017 إلى 2022: راديكالية الوعي الجديد

في العقود الأخيرة، دخلت الحركة الطلابية مرحلة جديدة من الراديكالية السياسية. ففي انتفاضة ديسمبر 2017 ، تحولت الجامعة إلى أحد مراكز انهيار الخطاب المهيمن للنظام. ولأول مرة وبشكل واسع، سقطت الثنائية “المهندسة” حكومياً (الإصلاحي/الأصولي) وفقدت مصداقيتها اجتماعياً. كان هذا الحدث مؤشراً على تغير موازين القوى في العقلية السياسية للمجتمع؛ وهو تغيير لم يكن ممكناً لولا الدور المباشر للطلاب.

أما في انتفاضة 2022، فقد انتقلت هذه الراديكالية إلى مرحلة نوعية. تحولت الجامعات إلى خلايا نشطة للاحتجاج، وإنتاج الشعارات، والتمثيل الثقافي للمقاومة. حمل الحراك الطلابي في هذه الفترة مشروعاً إيجابياً لإعادة تعريف السياسة والصوت والمكان. وقد أثبت الإنتاج الغزير للأناشيد، وطقوس الاحتجاج، وأشكال التضامن الجديدة، أن الحركة الطلابية هي قوة “مولدة لثقافة التحرر”.

مشروع “التنقية” ورد الفعل العكسي

كان رد النظام على هذا الوضع هو تشديد سياسات الإخضاع عبر ما يسمى بمشروع “التطهير” ؛ وهو جهد ممنهج لتحويل الجامعة إلى مؤسسة شبه عسكرية-أيديولوجية. إن طرد الأساتذة المستقلين، واستبدالهم بعناصر تابعة للأجهزة الأمنية والحوزوية، وتزوير الشهادات، والريع التعليمي، وتقزيم الجامعة لتصبح أداة لإعادة إنتاج الأيديولوجيا الرسمية، كلها أجزاء من استراتيجية كبرى لكسر الرابط بين المعرفة والحرية.

لكن هذه الاستراتيجية لم تؤدِ إلى خمول الجامعة، بل سرعت من وتيرة تطرف الحركة الطلابية. فكلما أصبح مشروع الإخضاع أكثر سفوراً، أصبحت الرغبة في التمرد أكثر تنظيماً. اليوم، تشهد الجامعات الإيرانية صراعاً شاملاً بين منطقين متضادين: منطق “المعرفة كقوة للتحرر” في مواجهة منطق “المعرفة كأداة للهيمنة”.

7 ديسمبر؛ يوم الطالب في إيران: حديث مقاومة الطلاب الإيرانيين أمام ديكتاتوريتي الشاه والملالي

من إنجازات الثورة الديمقراطية للشعب الإيراني استعادة الهوية الحقيقية والدور الريادي للجامعة والطلاب

الجامعة كمختبر للسياسة والمقاومة

في هذا السياق، اكتسب الدور الطليعي للحركة الطلابية معنى جديداً. فالريادة هنا تعني القدرة الفعلية على تعميم الاحتجاج، والربط بين الانتفاضات المتناثرة، وتحويل السخط الموضعي إلى آفاق وطنية شاملة. لقد أصبحت الجامعة مختبراً دائماً للسياسة؛ حيث يتم اختبار أشكال المقاومة الجديدة على المستوى الطلابي قبل أن تتوسع لتشمل النطاق الوطني.

إن محاولة النظام تحويل الجامعة إلى “مقبرة” للصمت – عبر عسكرة الفضاء والسيطرة الأيديولوجية – أدت، وفق المنطق الجدلي للتحولات الاجتماعية، إلى نتائج عكسية. فكلما زادت السيطرة والقيود، أعيد إنتاج السياسة بشكل أكثر وضوحاً وانفجاراً. هذه قاعدة ثابتة في تاريخ الحركات الاجتماعية: القمع، إذا لم يؤدِ إلى صمت دائم، فإنه يقود حتماً إلى راديكالية المقاومة.

7 ديسمبر: يوم لتجديد العهد

بناءً على هذا الفهم، يمثل يوم 7 ديسمبر لحظة لإعادة قياس موازين القوى. إنه مرآة يرى فيها كل من السلطة والمجتمع نفسه: السلطة كمشروع متهالك يحاول كبح الوعي، والمجتمع كقوة حية في طور الولادة المستمرة. تثبت الحركة الطلابية، بصفتها الضمير الحي للمجتمع، أن الجامعة في إيران ليست هامشاً للسياسة، بل هي أحد مراكزها الرئيسية.

وطالما بقيت قضية الحرية في إيران دون حل، فإن الجامعة، وبالتلاحم مع الحراك الشعبي العام ونشاط “وحدات المقاومة” ، لن تهدأ ولن تتوقف عن إنتاج المقاومة. لقد تحولت الحركة الطلابية، بكل الأثمان الباهظة التي دفعتها، إلى أحد أكثر أشكال المقاومة الحديثة رسوخاً في إيران؛ مقاومة لا يمكن كبحها باللوائح الإدارية، ولا بالتصفيات الوظيفية، ولا بقمع أجهزة السلطة.

في هذا السياق، ليس 7 ديسمبر يوم ذكرى، بل هو يوم لإعادة إنتاج التعهد بالتحرر والخلاص.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة