النظام الإيراني محاصر في مثلث الانهيار
في خريف عام 2025، يجد نظام الملالي نفسه في موقع يكشف عن مأزق سياسي وإداري مطلق، نتيجة لتزامن ثلاث أزمات خانقة. يمكن النظر إلى هذه الأزمات الثلاث باعتبارها “حزمة سياسية” متكاملة تُظهر الأبعاد المختلفة للانهيار الداخلي. وفي المقابل، فإن طبيعة رد فعل المجتمع الإيراني والسياسات الدولية ستلعب دوراً حاسماً في تحديد مسار التحولات المستقبلية. هذه الحزمة المركبة من ثلاث قضايا أساسية، هي عنوان الوضع المضطرب والمأزق المطلق الذي يعيشه النظام.
تشهد وسائل الإعلام التابعة للنظام الإيراني في الأيام الأخيرة من شهر أكتوبر 2025 تصعيدًا غير مسبوق في الصراع بين أجنحة السلطة. هذه المواجهة، التي خرجت من الغرف المغلقة إلى العلن في جلسات البرلمان، تكشف عن عمق التصدعات في بنية الحكم، حيث لم يعد الصدام بين الرئيس السابق حسن روحاني والبرلمان مجرد خلاف سياسي عابر، بل رمزًا لمراحل الصراع الأخيرة على السلطة ودليلاً على تآكل هيمنة خامنئي
الضلع الأول: القمع الدموي كاستراتيجية وحيدة للبقاء
الضلع الأول في هذه الحزمة هو التسارع المروع في وتيرة القمع السياسي وزيادة الإعدامات. لقد سجل شهر أكتوبر 2025 رقماً قياسياً غير مسبوق في تاريخ النظام منذ 36 عاماً، بإعدام 280 شخصاً في شهر واحد فقط، واستُكمل هذا المسار الدموي بإعدام 22 سجيناً خلال الأيام الثلاثة الأولى من نوفمبر. هذه الإجراءات تظهر أن خامنئي قد حصر استراتيجية حكمه في هدف واحد فقط: البقاء في السلطة عبر أقصى درجات القمع المباشر. بهذا المعنى، لم تعد مقصلة الإعدام أداة للردع السياسي، بل أصبحت علامة على الذعر والافتقار إلى أي استراتيجية أخرى فعالة.
الضلع الثاني: حرب الذئاب العلنية وتآكل هيبة خامنئي
أما الضلع الثاني، فهو تصاعد الصراع داخل بنية الحكم. إن التقدم المتسارع للمنافسات والصراعات على السلطة، والذي وصل إلى حد المطالبات العلنية للسلطة القضائية بمحاكمة وسجن الخصوم السياسيين، يعكس الوضع المزري لهيبة خامنئي السياسية والمعنوية حتى بين الموالين للنظام. هذا الصراع الميداني، الذي تجاوز مرحلة المناورات الشكلية ليتحول إلى خصومة لا تقبل المصالحة، يثبت أن الهيمنة المركزية للسلطة تعاني من أزمة شرعية داخلية، وأن عملية صنع القرار الكبرى أصبحت هشة ومتزعزعة للغاية، ولم تعد تحظى باحترام الأطراف المتصارعة.
280 عملية إعدام في شهر مهر الإيراني: عملية إعدام كل ساعتين ونصف، رقم قياسي غير مسبوق خلال الـ 36 عامًا الماضية
1135 عملية إعدام في الأشهر السبعة الأولى من عام 1404 (2025/2026) بزيادة 110% مقارنة بعام 1403 (2024/2025)، تشمل 36 امرأة و 6 مجرمين أحداث
الضلع الثالث: الانهيار الاقتصادي والفشل الإداري
الضلع الثالث هو الانهيار الاقتصادي والفشل الذريع في الإدارة. لقد فقد النظام السيطرة تمامًا على الأسعار، والعملة، والتضخم، وتأمين السلع الأساسية. أصبحت الأزمة المعيشية تتفاقم بشكل يومي، واقتصرت اهتمامات النظام على ضمان بقائه يوماً بيوم. إن السياسات الاقتصادية للنظام، التي تفتقر إلى أي رؤية استراتيجية، عاجزة عن تلبية أبسط احتياجات الناس. هذا الوضع لم يتحدى فقط شرعية النظام الداخلية لدى الموالين، بل قضى أيضاً على أي إمكانية لاحتواء الأزمات.
محاصرون في المأزق
إذا نظرنا إلى هذه الأزمات الثلاث كأضلاع لمثلث، فإن النظام اليوم يختنق داخل هذا المثلث. هذا الوضع الذي يتجه نحو نهايته ليس مجرد تحذير سياسي، بل هو رسالة واضحة للمجتمع الإيراني والقوى العالمية بأن تحولات مصيرية باتت وشيكة.
إن هذه الحزمة الثلاثية من الإعدامات الواسعة، والصراع الداخلي، والانهيار الاقتصادي، لا تمثل فقط الوضع الهش للغاية للنظام، بل هي التي سترسم ملامح الاستراتيجيات المستقبلية للمجتمع الإيراني والأطراف الدولية. وأي تقييم للوضع الحالي والمستقبلي في إيران في خريف 2025، دون الأخذ في الاعتبار هذه المحاور الثلاثة المتشابكة، سيكون ناقصاً ومضللاً.




