بقلم:سعاد عزيز
لکل قاعدة إستثناء، قول معروف و شائع ومأخوذ به کقضية بديهية ولکن، لايمکن أبدا للإستثناء أن يصبح قاعدة، فذلک يعني المساس بقواعد و أصول و أسس صارت بمثابة نواميس للحياة الانسانية، وهذا هو المحال بعينه، إذ علی سبيل المثال لا الحصر، من غير الممکن أن يتم جعل المحتل أو الدخيل أو المستعمر بديلا عن الحکم الوطني للبلدان وإن هناک عدد کبير جدا من الامثلة الحية بهذا الصدد ليس من الممکن إيرادها في هذا المقال القصير.
التدخلات الايرانية في بلدان المنطقة، والتي صارت الشغل الشاغل لهذه البلدان بحکم التأثيرات و التداعيات السلبية لها، صارت قضية حساسة و عبرت و تجاوزت حدود المنطقة للتخذ سياقا عالميا لأنها”أي التدخلات الايرانية” باتت تؤثر سلبا علی السلام و الامن و الاستقرار، ولذلک فقد جاءت المطالب الاوربية المتکررة و المخاطبة إيران بإنهاء هذه التدخلات، لکن و ازاء ذلک فإن طهران وعلی الرغم من المواقف العربية و الاسلامية الرافضة بشدة لهذه التدخلات والتي تجري اليوم علی قدم و ساق عن طريق الاحزاب و الميليشيات التابعة لها في بلدان المنطقة، فإنها تتمادی أکثر في تدخلاتها و تتصرف و کأن الامر لايعنيها البتة.
دولة داخل دولة، هذا هو الوصف الذي يمکن إطلاقه علی الاحزاب و الميليشيات التابعة لنظام الجمهورية الاسلامية الايرانية في بلدان المنطقة، وهذا الوصف يکون دقيقا و مفهوما بصورة کاملة عندما نضع أمامنا حزب الله اللبناني في لبنان و الحوثيين في اليمن و الميليشيات الشيعية المسلحة في العراق، إذ إنها جميعها تعتبر نفسها فوق القانون و تتصرف بمنطق دولة داخل دولة بل وإنها تتصرف وکأنها الدولة العميقة.
عندما يکشف رئيس الوزراء العراقي، حيدر العبادي، عن محاولات تهديد تعرض لها من قادة في ميليشيات الحشد الشعبي، محذرا هؤلاء القادة من مغبة الاستمرار في هذه التهديدات، فإنه بذلک يؤکد مرة أخری الدور”المشبوه” لهذه الميليشيات و کونها تتصرف بصورة و اسلوب يتجاوز حجمها بکثير، خصوصا إذا ماعلمنا بأن تهديدات هذه الميليشيات للعبادي قد جاءت بعد إغتيال رئيس الدائرة المالية في الحشد الشعبي الاسبوع الماضي و التي کانت و بحسب الکثير من الاوساط و المصادر السياسية، عملية إغتيال سياسي لأن الاخير قد أراد و طبقا لمصادر عراقية مطلعة، الکشف عن عمليات فساد مالي تجري داخل الحشد الشعبي، وتتهم المصادر نفسها ميليشيات مقربة من طهران بتنفيذ الاغتيال.
هذه الميليشيات و قبلها حزب الله اللبناني و جماعة الحوثي، تصرفت و تتصرف کأنها هي الآمر الناهي، بل وإن الحوثيين قد ذهبوا أبعد من ذلک عندما شارکوا بإنقلاب ضد الشرعية بالاشتراک مع طرف آخر ثم إنقلبوا علی الطرف الآخر ليعتبروا أنفسهم القوة الاعلی في اليمن، ولو نظرنا فإن الحشد الشعبي العراقي ومن خلال قائمة الفتح التي يتزعمها هادي العامري المقرب جدا من إيران، يريد أن يمسک بزمام الامور في العراق عن طريق الانتخابات، أما حزب الله اللبناني فإنه ولأسباب و ظروف لبنانية و دولية متداخلة فإنه يجد الافضل له ممارسة دور”دولة داخل دولة”، لکن السؤال هو هل بإمکان هذا السياق أن يصبح أمرا واقعا؟
منذ عدة أعوام تطالب المقاومة الايرانية و بإصرار بقطع الاذرع التابعة للنظام الايراني في بلدان المنطقة و تری بإستحالة إستتباب السلام و الامن و الاستقرار مع بقاء هذه الاذرع، وإن الايام قد أثبتت مصداقية ذلک، لکن مع ذلک لابد من أن يکون هناک موقف وطني في المستوی المطلوب في العراق و اليمن و لبنان لتجاوز هذه الحالة الشاذة و عدم السماح بأن تصبح القاعدة رغم إن الاستثناء لايمکن أبدا أن يصبح قاعدة.

