تجفيف موازنات المدارس لتمويل ترسانة «حرس النظام الإيراني»: أزمة الصفوف تغذي الحراك الاعتراضي
في تجسيد فاضح لتنصل الدولة من مسؤولياتها القانونية والخدمية الأساسية وإلقاء أعباء أزماتها على كاهل الأسر المسحوقة، فجّر رئيس حكومة النظام الإيراني، مسعود بزشكيان، في أواخر أكتوبر 2026 موجة استياء واسعة بعد إشادته بمواطنين اضطروا لحمل المعاول وبناء المدارس لأبنائهم بأنفسهم، متذرعاً بـ «ظروف الحرب الاستثنائية» لتبرير عجز حكومته عن توفير الأبنية والكوادر التعليمية. وتكشف تصريحات بزشكيان—التي ادعى فيها أن حكومات ذات موارد مالية ضخمة عجزت عن حل المعضلة التعليمية للتملص من تقديم أي خطة إنقاذ وطنية—عن عمق الخراب الهيكلي الذي يضرب قطاع التعليم في ظل سلطة الولي الفقيه؛ حيث تحولت الرعاية الاجتماعية التي صادرها نظام المقبور خميني تحت شعارات نصرة المحرومين إلى استنزاف ممنهج لجيوب الكادحين، في وقت تتدفق فيه مقدرات البلاد وثرواتها السيادية لتغذية آلة القمع والإنفاق العسكري.
قفزة قياسية في تضخم السلع الأساسية والمواد الغذائية بإيران: سحق الطبقات الكادحة وموائد الفقراء تفرغ
يسجل تضخم أسعار السلع الاستهلاكية والمواد الغذائية الأساسية في إيران قفزات متسارعة غير مسبوقة، متجاوزاً الخطوط الحمراء ليحرم ملايين العائلات من أبسط مقومات العيش اليومي. وتكشف الأرقام الميدانية عن اتساع الفجوة الطبقية وتآكل القدرة الشرائية بصورة مريعة تحت وطأة الاحتكار والفساد البنيوي الذي تديره مافيات نظام الولي الفقيه وقوات الحرس، ما حوّل الحصول على الاحتياجات المعيشية إلى معركة قاسية تُنذر بموجة غضب شعبي عارمة.
الهروب من الاستحقاق: دعوة الأهالي لحمل المعاول بدلاً من تحمل المسؤولية
عكست تصريحات مسعود بزشكيان انحداراً غير مسبوق في الخطاب الإداري الرسمي؛ فبدلاً من تقديم جدول زمني محدد أو رصد موازنات طارئة لمعالجة النقص الفادح في المدارس وتجهيزاتها الأساسية، عمد رئيس حكومة النظام إلى امتداح المبادرات القسرية للأهالي الذين دفعتهم غيرتهم على مستقبل أبنائهم إلى حفر الأساسات وبناء الفصول الدراسية بجهودهم الذاتية. ولم يكتفِ بزشكيان بذلك، بل سوّغ تقاعس حكومته بالحديث عن «حالة الحرب»، زاعماً أن إدارته لا يمكن مطالبتها بإنجاز ما عجزت عنه حكومات سابقة امتلكت وفرة مالية، وهو ما يمثل إعلاناً صريحاً بالتخلي عن قطاع التعليم وتحويله من خدمة عامة ملزمة للدولة إلى عمل إحساني وعبء يُلقى على كاهل المتبرعين والمجتمعات المحلية المنهوبة.
إن تحويل المشاركة الشعبية من رافد تكميلي إلى بديل دائم عن واجبات الدولة يعكس محاولة مكشوفة للتغطية على غياب استراتيجية وطنية شاملة؛ فالنظام يتجاهل عن عمد الإجابة عن الأسئلة المركزية التي تشغل الرأي العام: ما هو الحجم الفعلي للعجز في الأبنية المدرسية؟ وكم يبلغ النقص العددي في المعلمين المؤهلين؟ وما هي المخصصات المالية المرصودة للمحافظات المهمشة وفق جدول زمني واضح؟ إن الاكتفاء بمديح «المعاول والتبرعات» يترك الأطفال، ولا سيما في المناطق المحرومة، تحت وطأة تفاوت طبقي صارخ يهدد بحرمان مئات الآلاف من مقاعد الدراسة.
استنزاف الموازنات لصالح الترهيب: المدارس تنهار و«حرس النظام الإيراني» يبتلع الثروات
لا يمكن فصل الأزمة التعليمية الخانقة في خريف عام 2026 عن منظومة الأولويات المالية والسياسية للنظام؛ فالادعاء بالعجز المالي بسبب «ظروف الحرب» يسقط تماماً أمام الأرقام الفلكية التي تُضخ يومياً في خزائن «حرس النظام الإيراني» والمؤسسات الأمنية، وشبكات التجسس الإلكتروني، ومشاريع تصنيع الصواريخ والمسيرات. وتؤكد تقارير الفساد المالي والاختلاسات المليارية التي تتداولها الصحافة الرسمية ذاتها أن مشكلة التعليم في إيران ليست شحاً في الموارد الوطنية، بل هي سوء توزيع ممنهج ونهب طفيلي تفرضه أوليغارشية الاستبداد.
ويعاني قطاع التعليم من تهالك بنيوي شامل لا يتوقف عند جدران الأبنية، بل يمتد إلى النقص الحاد في الكوادر التعليمية، وغياب وسائل التدفئة والسلامة، وتفشي الفقر بين المعلمين أنفسهم، الذين يواصلون وقفاتهم الاحتجاجية ضد تدني الأجور وتأخر مستحقاتهم التقاعدية. إن الاستمرار في تجفيف موازنات التربية والتعليم بينما تعيش كارتيلات السلطة تخمة مالية يعكس عداءً متأصلاً لبناء الإنسان وتطوير المجتمع، ويضع المواطن الإيراني أمام حقيقة أن حماية عروش المستبدين مقدمة على حق الأجيال في التعليم المجاني والآمن.
سجل بزشكيان وسقوط أوهام الإصلاح: أربعة عقود في بنية الحكم
تحمل محاولات بزشكيان الظهور بمظهر العاجز أمام «ظروف قاهرة» تناقضاً كبيراً مع مسيرته السياسية؛ فالرجل ليس وافداً جديداً على أجهزة الدولة، بل تدرج لعقود في المناصب التنفيذية والتشريعية كوزير للصحة ونائب في البرلمان. ويمتد سجله السياسي إلى حقبة ما يسمى «الثورة الثقافية» التي شهدت قمع الجامعات وتصفية الأساتذة والطلاب المعارضين عقب عام 1979؛ ما يجعل محاولاته اليوم لتقمص دور الناصح المحايد محاولة غير مقنعة للالتفاف على مسؤوليته المباشرة عن السياسات التي قادت البلاد إلى هذا الانهيار الشامل.
ويبرهن هذا التخبط على أن تغيير الوجوه في واجهة السلطة التنفيذية لا يغير من جوهر السياسات التدميرية للمنظومة؛ فالخلل ليس في كفاءة وزير أو قدرة رئيس حكومة، بل في البنية الهيكلية لنظام لا يرى في المجتمع سوى مادة للجباية والتجنيد. وتؤكد الوقائع أن الترقيعات الفردية عاجزة عن إصلاح قطاع حيوي كقطاع التعليم، وأن أي إنقاذ حقيقي يقتضي بالضرورة مساءلة شاملة لمنظومة الحكم التي بددت ثروات الأجيال.
تفاقم التضخم النقدي وانهيار العملة الوطنية: سياسات نظام الولي الفقيه تدفع ملايين الإيرانيين تحت خط الفقر
تواصل معدلات التضخم العام في إيران تسجيل أرقام قياسية بالتوازي مع الانهيار المتسارع لقيمة العملة الوطنية، وسط إفلاس مالي شامل وعجز حكومي عن وقف التدهور المعيشي. وفيما يرزح السواد الأعظم من المواطنين تحت خط الفقر المدقع، تواصل منظومة الولي الفقيه تبديد الثروات الوطنية على تمويل ترسانات القمع وأجهزة الترهيب، مما يجعل خيار الانتفاضة الشاملة والرفض الشعبي المخرج الوحيد أمام المجتمع لكسر دائرة الفقر والاستبداد.
التعليم حق إنساني أصيل: اتساع الرفض الشعبي لسخرة الملالي
أثارت دعوة العائلات لبناء المدارس غضباً واسعاً بين صفوف المواطنين والمعلمين الكادحين الذين يرون في هذه السياسات نوعاً من فرض السخرة المذلة؛ فالشعب الذي يدفع الضرائب الباهظة ويتحمل نيران التضخم يرفض أن يُعامل كمتطوع لإصلاح ما دمره فساد السلطة. وتترجم الحركات النقابية والعمالية هذا الغضب عبر تظاهراتها واحتجاجاتها المستمرة في مختلف المدن، مؤكدة في مسيراتها الاحتجاجية أن العدالة الاجتماعية تبدأ من استرداد مقدرات الوطن المنهوبة، ومرددة هتافات تندد بنهب ثروات الشعب وتؤكد أن الأزمات الاقتصادية والخدمية هي نتاج مباشر لحكم الولاية والفساد الممنهج.
إن هذا الوعي الحقوقي المتصاعد يلتحم مع الفعل الاحتجاجي المستمر لـ «جيش الجياع» وإقدام «وحدات المقاومة» التي تواجه مقار «حرس النظام الإيراني»؛ رافضاً الخضوع لمنطق الاستجداء ورافضاً إعادة إنتاج تجارب القهر القديمة لنظام الشاه. وقد حسمت الجماهير موقفها الميداني بالتمسك بالبوصلة الوطنية الصلبة تحت الشعار الإستراتيجي: «لا لنظام الشاه ولا لنظام الولي الفقيه»؛ مؤكدة أن الحق في التعليم المجاني والكرامة الإنسانية لن يسترد إلا بإنهاء سلطة الاستبداد وإقامة «جمهورية تعددية مستقلة قائمة على سيادة الشعب».
تكشف أزمة التعليم في خريف عام 2026 ودعوة بزشكيان للأسر الإيرانية لبناء المدارس بالمعاول عن إفلاس هيكلي للدولة وتحولها إلى سلطة عاجزة عن توفير أبسط مقومات الرعاية العامة؛ فنظامٌ يعجز عن تأمين مقعد دراسي لأطفاله بينما يضخ المليارات في مغامراته العسكرية هو نظام استنفد أسباب بقائه الأخلاقية والسياسية. إن محاولات تبرير الفشل بـ «ظروف الحرب» لم تعد تنطلي على مجتمع يعاني يومياً من فساد الكارتيلات ونهب المال العام. وأمام هذا التدهور، يدرك الإيرانيون أن كرامة أبنائهم وحقهم في المستقبل لا يتحققان عبر التبرع لترقيع عجز السلطة، بل عبر استمرار الحراك الاعتراضي وتصعيد النضال لكنس دكتاتورية الملالي وتأسيس دولة القانون والمواطنة الحرة.
- تجفيف موازنات المدارس لتمويل ترسانة حرس النظام الإيراني: أزمة الصفوف تغذي الحراك الاعتراضي

- إيران.. 1.15 مليون عامل خارج التأمين الإلزامي وتحذيرات من فقدان 1.4 مليون وظيفة أخرى
- إيران.. أجر يوم كامل للعامل لا يكفي لشراء كيلوغرامين من الدجاج
- سقوط مسكنات الكوبون.. النظام الإيراني يواجه الغلاء بخدعة الـ 15 مليون ريال
- دقة في التجسس والتنكيل وعجز أمام مافيات الفساد: ازدواجية الأجهزة الأمنية في خريف 2026
- 80% من العمال والموظفين في إيران تحت ضغط الفقر وخط الفقر يتجاوز ما يعادل 315 دولارا شهريا
