إيران: صراع البقاء بين مطرقة الحرب وسندان المفاوضات ــ أركان السلطة يتبادلون تهم الخيانة ودعوات محاكمة روحاني وظريف
في مشهد سياسي بالغ التأزم يعكس بلوغ النظام الإيراني ذروة «أزمة الوجود» وتآكل قدرته على حفظ توازنه الداخلي، يشهد خريف عام 2026 تصدعاً داخلياً غير مسبوق في بنية سلطة الولي الفقيه؛ حيث تحاول أجهزة الحكم الاستناد إلى حبال المشانق وسيف الإعدامات اليومية في مسعى يائس لترهيب المجتمع المحاصر لعرشها. وتكشف حدة التلاطم والصراعات البينية بين أجنحة النظام—التي تجاوزت التراشق الإعلامي لتصل إلى مطالبات صريحة بحبس ومحاكمة كبار المسؤولين السابقين مثل حسن روحاني ومحمد جواد ظريف، بالتوازي مع إطلاق طروحات ترقيعية كـ «الجمهورية الثالثة» وعقد استفتاء شكلي لإنقاذ المنظومة التي أرسى دعائمها المقبور خميني—أن هرم الحكم يعيش حالة انعدام وزن هيكلية؛ نتيجة تشكل قطبين متنافرين لا لقاء بينهما: منظومة فاقدة للشرعية تتآكل ذاتياً، وأغلبية شعبية حسمت خيارها بإنهاء عهود القهر والاستبداد.
هوس المشانق وسعار التخوين: تصدع النواة الصلبة لحكم الفقيه
تعيش الديكتاتورية الدينية في إيران مأزقاً وجودياً باتت معه الإعدامات اليومية المتصاعدة ركيزة الحكم الوحيدة لإظهار التماسك وتفادي الانهيار الفوري؛ غير أن هذا التمترس خلف المشانق لم يعد قادراً على حجب التلاطم العنيف داخل الأروقة المغلقة للسلطة. وتكشف الوقائع الميدانية والسياسية أن دوائر الحكم نفسها باتت تعيش شكوكاً غير مسبوقة في جدوى استمرار البنية الحالية القائمة على الصلاحيات المطلقة للولي الفقيه؛ حيث تسارعت وتيرة الصدامات العدائية بين التيارات المتنافسة مهددة بالتصفية المباشرة.
وتقف سلطة الاستبداد اليوم عاجزة أمام ثنائية «الحرب والمفاوضات»، بوصفهما خيارين أحلاهما مرّ؛ فالانخراط في أي منهما يحمل في طياته ارتدادات مدمرة تهدد التوازن الهش بين كارتيلات السلطة، ولا سيما الواجهات التابعة لـ «حرس النظام الإيراني». وقد انعكس هذا المأزق في انفجار علني للصراع تمثل في مطالبة المتشددين بمحاكمة وعزل روحاني وظريف، فيما ردت أوساط ما يسمى بالإصلاحيين بوصف تحركات خصومهم بـ «المشبوهة»، في إقرار فاضح بتآكل الإجماع داخل النواة الصلبة للنظام وسقوط قدرتها على إدارة أزماتها البينية.
من شوارع إيران إلى مشروع الجمهورية الديمقراطية… الشباب الثوار يحيون ذكرى انتخاب مريم رجوي
تناول المقال الأنشطة التي أُعلن عن تنفيذها في مدن إيرانية خلال أيام 19 و20 و21 أكتوبر 2026، بمناسبة الذكرى الثالثة والثلاثين لاختيار مريم رجوي رئيسةً منتخبةً للمقاومة الإيرانية. ووفقاً للمقال، شملت التحركات رفع الصور واللافتات وكتابة الشعارات، مع التركيز على رفض الإعدامات والقمع، ودور الشباب والنساء في التغيير، وطرح مشروع لإقامة جمهورية ديمقراطية تقوم على الحرية والمساواة وسيادة الشعب.
وهم «الجمهورية الثالثة»: مناورات يائسة لترقيع الاستبداد المنهار
أمام هذا الانسداد التاريخي، خرج النائب السابق في مجلس النظام، مصطفى كواكبيان، بطرح يروج لفكرة إجراء استفتاء عاجل لتعديل بنية السلطة، زاعماً أنه «يمكن في الظروف الراهنة تعريف جمهورية ثالثة لتجاوز المآزق القائمة والخروج من أزمة الوجود».
غير أن هذا المقترح يعكس ارتباكاً سياسياً محموماً؛ إذ يسعى أصحابه، المنشغلون بهاجس الحفاظ على المنظومة الحاكمة، إلى ترويج أوهام استنساخ السلطة وإعادة تدويرها تحت مسميات براقة. وحتى لو سلّمنا جدلاً بإمكانية رضوخ الولي الفقيه لصناديق الاقتراع، فإن التجارب الحاسمة والتاريخ القريب يؤكدان استحالة ترميم هذا الصدع؛ فالانتفاضات والاحتجاجات الست الكبرى التي فجرها الشعب الإيراني على مدى العقدين الماضيين أثبتت بوضوح أن أي تصويت حر، حتى وإن جرى تحت رقابة دولية صارمة من الأمم المتحدة، سينتهي بكنس دكتاتورية ولاية الفقيه ورموزها من كافة أرجاء البلاد. ولذا، يغدو الحديث عن «جمهورية ثالثة» مجرد صدى فارغ لمناورة ولدت ميتة، وعاجزة عن تقديم أي إجابة لمعادلات الشارع المشتعل.
قطبان متنافران: الحراك الشعبي يحسم اتجاه التغيير
إن جوهر الأزمة التي تضرب طهران لا يتعلق بخلاف عابر حول الترتيبات البيروقراطية أو تقاسم الحصص بين مافيات الحكم، بل هو أزمة شرعية مطلقة وفجوة تاريخية غير قابلة للردم بين تطلعات المجتمع وسياسات السلطة القمعية. لقد تبلور في المشهد الإيراني قطبان سياسيان واجتماعيان متضادان تماماً: حكام يستقوون بالسجون وأجهزة القمع لحماية امتيازاتهم، وأغلبية ساحقة من الجماهير الكادحة التي تقدمت إلى الميدان عبر حراك اعتراضي واسع يعلن بوضوح أن الشوارع أصبحت ساحة استرداد الحقوق والمواطنة السليبة، مرددة في مسيراتها المستمرة هتافات تؤكد موت العدالة في ظل هذه الولاية وأن أصل الفقر والغلاء يكمن في فساد بنية الحكم واستبدادها.
إن هذا الاستقطاب غير القابل للتراجع يعكس انتقال المجتمع من مرحلة التذمر السلبي إلى الفعل المعارض المنظم؛ حيث تتكامل التحركات العمالية والطلابية ووقفات المتقاعدين مع إقدام «وحدات المقاومة» التي تواصل زعزعة المراكز الأمنية لـ «حرس النظام الإيراني».
وقد حسم الشارع الإيراني خياره بوعي سياسي نافذ، رافضاً العودة إلى استبداد نظام الشاه ومسقطاً سلطة الولي الفقيه تحت الشعار الإستراتيجي الخالد: «لا لنظام الشاه ولا لنظام الولي الفقيه»؛ مؤكداً أن تجاوز أزمة البلاد لن يمر عبر ترقيعات الاستبداد الديني، بل عبر التأسيس لإرادة الأمة في «جمهورية تعددية مستقلة قائمة على سيادة الشعب».
تشير أزمة الوجود المستفحلة التي تعصف بأركان الحكم في خريف عام 2026 إلى أن المنظومة الثيوقراطية تقف عاجزة في نهاية مسارها السياسي والتاريخي؛ فلن تفلح رافعات المشانق ولا مسكنات «الجمهورية الثالثة» في إطفاء النيران الكامنة في صدر المجتمع الإيراني، كما لن تنجح الصراعات البينية بين أجنحة السلطة في تضليل الشارع المحتج. إن الاستقطاب الحاسم بين إرادة الشعب وعنفوان حراكه الاعتراضي من جهة، وديكتاتورية الملالي المتآكلة من جهة أخرى، يضع مصير البلاد أمام حقيقة واحدة لا مفر منها: لقد سقطت شرعية الولي الفقيه إلى غير رجعة. وتحت راية «لا لنظام الشاه ولا لنظام الولي الفقيه»، تمضي قوى التغيير الحية بعزيمة صلبة لإنهاء عقود التسلط، وفتح الآفاق أمام عهد جديد ترتفع فيه راية الحرية وتتحقق فيه السيادة الشعبية الكاملة.
- دقة في التجسس والتنكيل وعجز أمام مافيات الفساد: ازدواجية الأجهزة الأمنية في خريف 2026
- فعاليات وحدات المقاومة في إيران: الجولة الثانية — 50 ممارسة ثورية في 15 مدينة
- ضرورة تاريخية للبديل الديمقراطي: كيف واجهت المقاومة الإيرانية فخ تكرار الاستبداد وسرقة الثورات؟
- إيران: صراع البقاء بين مطرقة الحرب وسندان المفاوضات

- إيران: اعتقال السيد علي عليبور، والد المجاهد الشهيد بابك عليبور
- ألمانيا تلغي ترخيص بنك صادرات الإيراني وتأمر بتصفية فرعه في هامبورغ
