طبولُ حرب وانهيارُ خدمات: الشارعُ الإيراني محتقن ويحدد خصمه الحقيقي
في الخامس عشر من يوليو/تموز 2026، هزت موجة جديدة من الغارات الجوية الأمريكية جنوب إيران، مستهدفة مدينة بوشهر الساحلية وقاعدة عسكرية في إيرانشهر. ويمثل هذا القصف تصعيداً سريعاً وعنيفاً عقب الاستئناف الرسمي للأعمال القتالية في 7 يوليو/تموز الجاري، وهو ما أطاح بهدنة بحرية هشة وفرض حصاراً بحرياً شاملاً على البلاد.
وبالنسبة للمواطنين الإيرانيين، الذين نجوا بالكاد من صراع دمار دام 40 يوماً قبل شهرين فقط، لا يمثل هذا التصعيد مجرد نزاع جيوسياسي معقد؛ بل هو رصاصة مباشرة موجهة لجسد مجتمع منهك ومستنزف بالكامل.
إيران ما بعد الحرب والاسترضاء: فشل الاستراتيجيات الخارجية وحتمية البديل الديمقراطي الداخلي
تؤكد القراءات الاستراتيجية فشل المقاربات الخارجية تجاه إيران، سواء عبر مسارات التفاوض والاسترضاء أو من خلال الضربات العسكرية، في صياغة حل سياسي مستدام. ويكمن الخلل الجوهري لهذه السياسات في تجاهل عامل التغيير الأساسي: قوة الشعب الإيراني وحتمية البديل الديمقراطي الداخلي القادر وحده على تفكيك بنية نظام الولي الفقیة وإرساء دعائم الاستقرار والحرية.
بينما كانت القنابل تتساقط، وبدلاً من طمأنة السكان المذعورين، استغل مسؤولو النظام البث التلفزيوني المباشر لتثبيت وتوطيد السلطة المطلقة لمجتبی خامنئي نجل الولي الفقيه السابق علي خامنئي. وتحت غطاء من الحزن المفبرك والموجه، احتشد أنصار النظام في مصلى طهران في 15 يوليو/تموز هاتفين: «الأمر ليس إلا أمر مجتبى»، في استعراض قوة منسق تقوده الفصائل الأكثر تطرفاً والموالية لـ مجتبى، لإرسال رسالة تحذيرية شديدة اللهجة إلى منافسيهم في صراع الأجنحة الداخلي المستعر.
هلع تحت الإنذار الأحمر في البرلمان
تبدى هذا الانفصام الفاضح عن الواقع بوضوح يوم 14 يوليو/تموز 2026، عندما عقد برلمان النظام جلسة طارئة تحت بند الإنذار الأحمر في طهران. وبينما علت أصوات النواب بالمطالبة بـ الانتقام، كان الذعر والارتباك يسود كواليس الجلسة؛ إذ ظل البرلمان مغلقاً لخمسة أشهر تحت غطاء الدواعي الأمنية، مما دفع النائب المتشدد حميد رسائي إلى اتهام رئاسة المجلس بجر الهيئة التشريعية إلى أعمق درجات الهوان والذل. وبدوره، اعترف نائب رئيس البرلمان، علي حاجي بابائي، بأن حشد 259 نائباً في مكان واحد في ظل هذه الظروف يمثل مخاطرة كبرى بسلامة النواب وحياتهم.
سوسيولوجيا الغضب: تقرير ربيعي المسرّب
يتغذى ذعر المنظومة الحاكمة من حقيقة ميدانية تؤكدها بياناتها الأمنية الداخلية؛ وهي أن المجتمع الإيراني شارف على نقطة الانفجار السيكولوجي الكامل. فقد كشف تقرير سري للغاية أعده المستشار الاجتماعي للرئاسة، علي ربيعي، في مايو/أيار 2026 وجرى تسريبه مؤخراً، أن المعايير الداخلية للنظام تسجل أزمة غير مسبوقة في عمق الشارع:
- مؤشر الاحتقان: 64% من الإيرانيين يرزحون تحت وطأة الغضب والاحتقان الشديد، بزيادة قدرها 12% مقارنة بديسمبر/كانون الأول 2025.
- اليأس والاكتئاب: يعاني نصف المجتمع من اليأس التام، بينما يواجه 48% منهم حالات اكتئاب حادة.
- طلب التغيير الجذري: يعترف تقرير ربيعي المسرّب بوجود نسبة صادمة تصل إلى 72% من الشعب يطالبون بالتغيير الجذري الفوري أو الإطاحة التامة بالنظام.
وينبع هذا الغضب الجمعي العارم من حرمان مادي واقتصادي ممنهج؛ حيث تظهر البيانات المسرّبة أن 82% من الإيرانيين يجدون صعوبة بالغة في تأمين المواد الغذائية الأساسية، بينما يعجز 75% منهم عن تحمل كلفة الرعاية الطبية الأساسية.
بين لهيب الصيف وانقطاع الكهرباء
يترافق هذا البؤس الاقتصادي مع انهيار بيئي وخدمي مريع؛ ففي 13 يوليو/تموز 2026، سجلت مناطق جنوب إيران ثماني درجات حرارة من بين العشر الأعلى على مستوى كوكب الأرض؛ حيث بلغت درجة الحرارة في مدينة بستان 51.6 درجة مئوية. وفي مدينتي أبادان وبندر عباس، يواجه السكان حرارة تخطت الخمسين درجة بالتزامن مع انقطاع كامل للمياه والكهرباء وتفجيرات تضرب الجوار.
ويدرك الإيرانيون جيداً الجهة المسؤولة عن تدمير حياتهم؛ حيث تكشف بيانات البنك الدولي أن النظام قام بإحراق وتبديد قرابة 30 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي العام الماضي—وهو ما يعادل 65% من حجم الاستهلاك المحلي للبلاد—في الوقت الذي تُرك فيه المواطنون عاجزين عن تشغيل مكيفات الهواء في ذروة الصيف الحارق. وعلق أحد سكان مدينة آبادان بمرارة قائلاً: إنهم ينتقمون لـ الولي الفقيه الراحل من شعب إيران. وردد عامل في ميناء بندر عباس صدى هذا الوجع بالقول: نريد الرفاهية والعيش الكريم كباقي البشر… الموت هنا لم يعد يكلف الناس شيئاً.
انفجار خلافات بعد سيرك جنازة: انهيار مسودة تفاهم يدفع نظام الولي الفقيه نحو خيارات انتحارية
بمجرد انتهاء مراسم تشييع جثمان الولي الفقيه السابق علي خامنئي، انفتحت مجدداً الجروح الغائرة للأزمات الداخلية وصراعات الأجنحة المتناحرة في عمق النظام حول مصير مسودة التفاهم المعلقة. ويشن تيار متشدد داخل برلمان السلطة هجوماً عنيفاً على رئيسي السلطتين التنفيذية والتشريعية، حيث طالب الملا حميد رسائي رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف بالإنهاء الرسمي والشامل للمسار الدبلوماسي، مما يدفع النظام نحو انسداد سياسي وخيارات انتحارية.
قمع قضائي وتحدٍّ في السجون والجامعات
لمواجهة هذا الغليان الداخلي المتفجر، سارع النظام إلى تحويل جهازه القضائي إلى أداة ترهيب وقتل فوري؛ حيث أعلن مدعي عام طهران، علي صالحي، في 14 يوليو/تموز 2026، عن إحالة كافة القضايا المرتبطة بالاحتجاجات وظروف الحرب إلى مسار قضائي عاجل واستثنائي، أفضى إلى صدور أحكام إعدام قطعية ونهائية.
لكن هذا العنف الممنهج قوبل بتحدٍّ وصمود فوري؛ ففي 13 يوليو/تموز، بدأ السجناء في سجن قزل حصار الشهير في مدينة كرج إضراباً مفتوحاً عن الطعام، احتجاجاً على إعدام المعتقلين الذين دفعتهم ظروف الفقر والاضطرار لارتكاب جنح ومخالفات معيشية.
ولم تكن ساحات الجامعات بأقل جسارة؛ فرغم تعرض مئات الطالبات والطلاب في جامعات الزهراء، وشريف، وبهشتي لحملات تعليق دراسة قسرية، وفصل تعسفي، ومكالمات تهديد مجهولة المصدر، إلا أن روح المقاومة تواصلت بفعالية. وفي جامعة طهران، يواجه الطلاب لجان تأديبية بتهمة إثارة الفوضى، بناءً على تقارير كاذبة تفبركها ميليشيا الباسيج التابعة للنظام؛ ومع ذلك، يرفض الشباب الثائر الركوع، مواصلين إضعاف وهدم هيبة القبضة الأمنية.
إن استعراض العضلات العسكري والبروباغندا الحربية التي يسرف النظام في عرضها، عاجزان تماماً عن إخفاء حقيقة فقدانه التام للشرعية الداخلية. لقد تجاوز المجتمع الإيراني حاجز الخوف بشكل نهائي؛ ولم تعد البلاد مجرد مجتمع يعيش أزمة خدمات عابرة، بل تحولت إلى غرفة ضغط مغلقة حدد فيها المواطنون هوية سجانهم بوضوح، وهم يستعدون الآن للحظة الصدام الختامي والانهيار الحتمي لمنظومة الولي الفقيه.
- طبولُ حرب وانهيارُ خدمات: الشارعُ الإيراني محتقن ويحدد خصمه الحقيقي

- مستقبلُ إيران الديمقراطي: حتميةُ تغيير منظّم في مواجهة بدائل مصنوعة
- محرقةُ الأزمات وخيارُ التوريث: كيف يستند بقاءُ مجتبى خامنئي على قرع طبول الحرب؟
- إيران.. الذئاب الحاكمة تمزق بعضها البعض!
- إيران ما بعد حرب واسترضاء: فشلُ استراتيجي لمقاربات خارجية وحتميةُ بديل ديمقراطي داخلي
- وهمُ عدو خارجي: كيف تعيد إرادة داخلية رسم مستقبل إيران؟
