Site icon منظمة مجاهدي خلق الإيرانية

وهمُ عدو خارجي: كيف تعيد إرادة داخلية رسم مستقبل إيران؟

وهمُ عدو خارجي: كيف تعيد إرادة داخلية رسم مستقبل إيران؟

وهمُ عدو خارجي

وهمُ عدو خارجي: كيف تعيد إرادة داخلية رسم مستقبل إيران؟

اعتبر العديد من المراقبين الدوليين أن التهدئة الدبلوماسية الأخيرة—والتي توجت بمذكرة تفاهم وقف إطلاق النار في يونيو/حزيران—بمثابة استقرار مؤقت لمنطقة الشرق الأوسط. لكن في عالم السياسة، سرعان ما يمتلئ الفراغ؛ فبالنسبة لنظام الملالي في طهران، الذي طالما اعتمد على شبح النزاع الخارجي لتبرير القمع الداخلي، لم يجلب هذا الفاصل الاستراتيجي أي استقرار. بل على العكس، جرّد النظام من ذريعته الخارجية الرئيسية، مما فتح نافذة حرجة انتقل فيها مركز الفعل والمبادرة بشكل حاسم إلى الشعب الإيراني. إن الدرس الهيكلي لهذه المرحلة واضح وجلي: عندما يتراجع تهديد التدخل الخارجي، تتسع رقعة المقاومة الداخلية.

تلاحم الاحتجاجات: طفرة كمية ونوعية

خلال هذه النافذة المتميزة من تراجع النزاع الخارجي، شهدت الساحة الداخلية في إيران تصعيداً غير مسبوق في الأنشطة المناهضة للنظام، تميز بتركيبته المجتمعية الواسعة وعمقه التنظيمي المتطور؛ إذ لم تعد الاحتجاجات مجرد تحركات مجزأة أو ردود فعل عفوية، بل امتدت لتشمل كافة القطاعات الاقتصادية والاجتماعية الرئيسية.

توضح البيانات المستمدة من التقارير الميدانية حجم ومسار العمليات الموجهة ضد مقار القمع التابعة لنظام الملالي، موزعة على ثلاث مراحل رئيسية:

أولاً: مرحلة ما قبل الحرب (ديسمبر/كانون الأول 2025 – فبراير/شباط 2026)

ثانياً: العمليات الإبان المواجهات العسكرية (أواخر فبراير – 7 أبريل/نيسان 2026)

ثالثاً: طفرة ما بعد وقف إطلاق النار (7 أبريل – 11 يوليو/تموز 2026)

اختراق الخط الأحمر الأعلى

إن المؤشر الأكثر دلالة من الناحية السوسيولوجية على هذا التحول هو الظهور الواسع لشعارات سياسية محددة؛ ففي المراكز الحضرية الكبرى الممتدة من طهران ومشهد إلى شيراز وأصفهان، تحولت شعارات مثل التحية لرجوي وعاش رجوي من همسات سرية وكتمان إلى كتابات بارزة على الجدران العامة واللافتات الميدانية.

وفي العرف القانوني لنظام الملالي، فإن الترويج للمقاومة المنظمة أو إبداء الانتماء إليها يعادل تهمة المحاربة (إعلان الحرب ضد الله)، وهي تهمة تحمل عقوبة الإعدام الإلزامية. وطالما نفذ النظام هذا الخط الأحمر بصرامة عبر محاكمات صورية مغلقة؛ ولذا فإن إقدام آلاف الشباب الإيرانيين على المخاطرة بحياتهم وبالمقاصل لرفع هذه الشعارات يثبت حدوث تحول سيكولوجي عميق: لقد انكسر جدار الرعب بالكامل.

معادلة نفي الاستبدادين

تعكس الشعارات التي تروجها وحدات المقاومة رسالة واضحة وموحدة يعبر عنها الجيل الجديد:

صوت الشارع الإيراني:

إن الشعب الإيراني يسعى لإسقاط النظام الديني، لكنه يرفض تماماً إعادة إنتاج النظام الشاه أو استبدال دكتاتورية بأخرى؛ وتؤكد الهتافات مثل ‘الموت للظالم، سواء كان الشاه أو الولي الفقيه’، و’لا للتاج ولا للعمامة’، و’لا مجتبى ولا بهلوي—ديمقراطية ومساواة’، أن الجيل الجديد يرفض حلقة الاستبدادين الملالي والشاه الممتدة لقرن من الزمان، وأن هدفهم ليس العودة إلى الماضي، بل إقامة جمهورية ديمقراطية تقوم على الحرية، والمساواة، والسيادة الشعبية، والفصل التام بين الدين والدولة.

وفي هذا السياق، يمثل صعود شعار التحية لرجوي إلى جانب شعارات الجمهورية الديمقراطية هي السبيل الوحيد لإنقاذ إيران دليلاً على الالتفاف الشعبي حول الخيارات الثالث للمقاومة: والذي ينبذ خياري الاسترضاء الدولي أو التدخل العسكري الخارجي، لصالح التغيير الديمقراطي بيد الشعب الإيراني ومقاومته المنظمة، تمهيداً لإقامة جمهورية تعددية وعلمانية تضمن العدالة الاجتماعية والحرية.

تراجع عوائد العنف الشمولي

في محاولة يائسة لاحتواء هذا التحدي الداخلي المتعاظم، لجأت طهران إلى الأداة الوحيدة المتبقية في جعبتها: الإرهاب القضائي المطلق. وجاء حجم الحملة مرعباً؛ حيث سجلت إيران ما لا يقل عن 2,159 عملية إعدام في عام 2025، واستمرت هذه الوتيرة الدموية في عام 2026 مع تسجيل 370 إعداماً في النصف الأول من العام، من بينها 101 حالة إعدام في شهر يونيو/حزيران وحده.

ومع ذلك، تكشف المعطيات الميدانية عن مفارقة قاتلة للاستبداد: إن تصعيد عنف الدولة بات يحقق عوائد متناقصة؛ فكل موجة من المشانق تقابلها وتيرة مكثفة ونوعية من عمليات وحدات المقاومة. ومن خلال انتزاع المبادرة السياسية خلال هذه النافذة التاريخية، أعاد الشارع الإيراني رسم قواعد الصراع؛ مؤكداً أن مستقبل إيران لن تصيغه القوى العسكرية الخارجية أو الصفقات الدولية، بل ستحدده الإرادة المحلية والمنظمة لمواطنيها.

Exit mobile version