Site icon منظمة مجاهدي خلق الإيرانية

بطاقات التموين في اقتصاد الملالي الريعي: مسكنات واهية تخفي عجزاً بنيوياً

بطاقات التموين في اقتصاد الملالي الريعي: مسكنات واهية تخفي عجزاً بنيوياً

بطاقات التموين في اقتصاد الملالي الريعي: مسكنات واهية تخفي عجزاً بنيوياً

بطاقات التموين في اقتصاد الملالي الريعي: مسكنات واهية تخفي عجزاً بنيوياً

في منتصف القرن التاسع عشر، وخلال مجاعة أيرلندا الكبرى، واجه الملايين خطر الموت جوعاً؛ بيد أن مؤرخي الاقتصاد أثبتوا لاحقاً أن الأزمة لم تكن نابعة من شح الغذاء، بل من بنية السلطة ونظام التوزيع الاحتكاري الذي سمح بتصدير المحاصيل إلى أوروبا بينما كان المواطنون يموتون غرقاً في لظى العوز. هذه التجربة التاريخية تختزل حقيقة ما يجري في إيران اليوم؛ فقصة فشل بطاقات الدعم التمويني في يونيو 2026 ليست رواية شح مالي، بل هي إدانة صارخة لاقتصاد ريعي استبدل التنافسية بالفساد الممنهج، وحوّل لقمة عيش المواطن إلى رهينة لشبكات النفوذ.

لقد سُوّق مشروع بطاقة التموين  من قبل حكومة بزشكيان الهشة على أنه الأداة السحرية التي ستكبح تداعيات التضخم المرتفع وتنقذ القدرة الشرائية للعائلات المسحوقة، غير أنه بعد أشهر قليلة من التطبيق، بدا واضحاً أن القيمة الفعلية لهذا الدعم تلهث خلف القفزات الجنونية للأسعار. إن الفشل الذريع لهذه الآلية لا يمكن حصره في خانة القرارات الإدارية الخاطئة، بل هو انعكاس لأزمة تراكمية مزمنة يعيشها نظام الملالي؛ حيث يسجل مؤشر البؤر أرقاماً مرعبة ناتجة عن ضخ النقد المنفلت، والعجز الهيكلي الدائم في الموازنة، وتهاوي قيمة الريال، مما جعل الفجوة بين الدخل والإنفاق تتسع شهرياً لتدفع بالطبقة الوسطى نحو قاع الفقر المدقع.

إن الخلل الجوهري يكمن في لجوء النظام الكهنوتي إلى توزيع مساعدات مقطوعة ومؤقتة كمسكنات سياسية تهدف إلى إدارة سخط الشارع وامتصاص غليانه بشكل مؤقت، بدلاً من معالجة الصواعق الحقيقية المنتجة للتضخم. إن الفقر في ظل هذا النموذج المشوه ليس ظاهرة طارئة أو نتاج صدمة خارجية غير متوقعة، بل هو منتج طبيعي وسليل شرعي لآلية اقتصادية مأزومة؛ تُدار بالكامل لصالح الاحتكارات التابعة لـحرس النظام والمؤسسات الحكومية، التي تبتلع ثروات البلاد الهائلة وترحل تكلفة فسادها وفشلها الإداري مباشرة إلى كاهل المجتمع عبر الغلاء الفاحش وتدمير مستوى المعيشة.

لقد برهنت التجارب السابقة، ولاسيما تجربة العملة التفضيلية ، أن توسيع نطاق توظيف الأموال الحكومية في غياب الشفافية والرقابة المستقلة لا يفضي إلا إلى تنمية شبكات الفساد ومضاعفة الثروات في أيدي حاشية المقربين من السلطة؛ دون أن يصل من فتاتها شيء للمستهلك النهائي. وبناءً على ذلك، دخلت بطاقة التموين  في سباق خاسر ومحسوم سلفاً مع التضخم؛ فكلما عمدت أجهزة السلطة الاستبدادية إلى زيادة رقمية شكلية في قيمة الدعم، اندلعت موجة تضخمية جديدة كفيلة بامتصاص أثره قبل أن يصل إلى جيوب المواطنين، مما يجعل المشروع أشبه بمحاولة يائسة لتغطية جرح غائر بضمادة مهترئة.

إن إصرار أنظمة الولي الفقيه على صيانة الهياكل الاقتصادية غير التنافسية والإنفاق الفطري على المشاريع العسكرية والمغامرات الخارجية الجوفاء، يحرم الإنتاج المحلي من الرساميل المولدة للثروة وفرص العمل الحقيقية، ويكرس واقعاً يعتمد فيه المجتمع الجائع على إعانات تفقد قيمتها كل صباح. هذا الانسداد الشامل يثبت بالدليل القاطع أن أزمة معيشة الإيرانيين اليوم هي محصلة عقود من الحوكمة الفاسدة والعقيمة؛ ليبقى هذا المشروع العاجز بمثابة اعتراف رسمي من داخل بنية النظام بفشل نمطه الاقتصادي بالكامل، وهو النمط الريعي الذي ثار ضده الشعب تاريخياً لإسقاط احتكارات نظام الشاه، ويواجهه اليوم في الشوارع لإنهاء دمار نظام الملالي الذي لم يمنح البلاد سوى التضخم والجوع والانهيار الشامل.

Exit mobile version