وريث بلا إرث سياسي: التحديات التي تواجه مجتبى خامنئي
على مدى سبعة وثلاثين عاماً، شكّل علي خامنئي العمود الفقري لنظام ولاية الفقيه. وخلال تلك السنوات لم يكن مجرد رأس السلطة، بل كان نقطة التوازن بين الأجنحة المتصارعة، والمرجعية النهائية التي تُحسم عندها الخلافات الكبرى داخل النظام. ومن خلال شبكة واسعة من المؤسسات الأمنية والعسكرية والاقتصادية، استطاع تدريجياً أن يرسخ موقعه ويحول نفسه إلى المركز الذي تدور حوله منظومة الحكم بأكملها.
واليوم، ومع غياب خامنئي وصعود مجتبى خامنئي إلى موقع الولي الفقيه، يواجه النظام واحدة من أكثر لحظاته حساسية منذ تأسيسه عام 1979. فالتاريخ يعيد طرح السؤال الذي واجهه النظام بعد موت خميني عام 1989: هل يستطيع النظام عبور مرحلة الخلافة والحفاظ على تماسكه الداخلي؟ لكن الفارق الجوهري أن الظروف التي أحاطت بصعود علي خامنئي تختلف جذرياً عن الظروف التي يواجهها مجتبى اليوم.
عندما تولى علي خامنئي السلطة بعد موت خميني، كان النظام قد نجح، ولو مؤقتاً، في احتواء أخطر أزماته. فقد جرى إقصاء حسين علي منتظري وإنهاء أكبر انقسام داخل قمة السلطة، كما تم إنهاء الحرب مع العراق بقبول وقف إطلاق النار، الأمر الذي أغلق الملف الأكثر خطورة الذي كان يهدد بقاء النظام. وفي الوقت نفسه، جاءت مجزرة السجناء السياسيين عام 1988 لتشكل محاولة دموية لمنع أي انفجار سياسي أو اجتماعي يمكن أن ينشأ نتيجة الهزيمة في الحرب.
أما اليوم، فإن مجتبى خامنئي يصل إلى موقع الولي الفقيه في ظروف معاكسة تماماً. فالنظام يواجه أزمات استراتيجية لم تُحسم، بل تفاقمت مع مرور الزمن. وفي مقدمة هذه الأزمات تأتي العلاقة مع الولايات المتحدة، والملف النووي، والأوضاع الإقليمية، والانهيار الاقتصادي، واتساع الفجوة بين السلطة والمجتمع. وهي ملفات عجز علي خامنئي نفسه عن إيجاد حلول نهائية لها طوال فترة حكمه، ما يجعل التعامل معها أكثر صعوبة بالنسبة إلى خليفته.
صحيح أن مجتبى خامنئي يمتلك بعض عناصر القوة داخل النظام. فالتقارير المتعددة تشير إلى أنه لعب خلال السنوات الماضية دوراً مؤثراً في إدارة بيت المرشد وفي التنسيق مع قوات الحرس والأجهزة الأمنية. كما أن مؤسسات النظام اكتسبت خبرة طويلة في مواجهة الأزمات والاحتجاجات. غير أن هذه العوامل لا تكفي لإخفاء حقيقة أن البيئة السياسية والاجتماعية التي يعمل فيها اليوم تختلف جذرياً عن تلك التي أحاطت بصعود والده.
لقد تقلصت القاعدة الاجتماعية للنظام بصورة ملحوظة، وتراجعت قدرته على إنتاج الشرعية السياسية. كما أن المجتمع الإيراني تجاوز مرحلة الرهان على الإصلاحات الداخلية، بعد أن شهد سلسلة من الانتفاضات والاحتجاجات التي كشفت حدود النظام وعجزه عن الاستجابة لمطالب المواطنين. وفي الوقت نفسه، وصلت الأزمات الاقتصادية والاجتماعية إلى مستويات غير مسبوقة، ما جعل حالة الاحتقان الشعبي أكثر عمقاً واتساعاً.
ومن أبرز المتغيرات التي تميز المرحلة الحالية وجود قوة تغيير منظمة وفاعلة على الأرض. فالمقاومة الإيرانية، ووحدات المقاومة التابعة لمنظمة مجاهدي خلق الإيرانية، أصبحت عاملاً حاضراً في الحسابات السياسية والأمنية للنظام وقادرة على التأثير في مسار الأحداث وتوجيهها.
ولهذا، فإن غياب خامنئي يمثل بالفعل ضربة استراتيجية للنظام، حتى وإن نجحت السلطة في تمرير عملية الخلافة مستفيدة من ظروف الحرب والتعبئة الأمنية التي رافقتها. فالحرب وفرت للنظام فرصة لتقليص الخلافات الداخلية وفرض مشروع التوريث السياسي في ظروف استثنائية. ولو حدث الانتقال في ظروف طبيعية، لكانت الصراعات بين الأجنحة أكثر حدة واتساعاً، ولكان تمرير هذا الخيار أكثر صعوبة بكثير.
لكن في المقابل، من الخطأ الاعتقاد أن غياب خامنئي سيؤدي تلقائياً إلى انهيار النظام. فالتجارب التاريخية تؤكد أن الأنظمة السلطوية قد تنجح في امتصاص الصدمات الكبرى لفترات معينة، خاصة عندما تمتلك أجهزة أمنية وعسكرية قوية. غير أن ما يحدد مصيرها في النهاية ليس فقط مسألة الخلافة، بل قدرتها على التعامل مع الأزمات البنيوية التي تواجهها.
ومن هنا تبدو المرحلة الحالية مختلفة عن كل ما سبقها. فالنظام الذي نجح سابقاً في تجاوز أزمة انتقال السلطة، يجد نفسه اليوم أمام مجتمع أكثر غضباً، وأزمات أكثر تعقيداً، وقاعدة اجتماعية أضعف، ومقاومة أكثر تنظيماً وحضوراً. وهذه المعطيات تجعل من مرحلة ما بعد خامنئي اختباراً مصيرياً لمستقبل نظام ولاية الفقيه بأكمله.
إن السؤال الحقيقي لم يعد يتعلق فقط بمن يجلس على رأس السلطة، بل بقدرة النظام نفسه على الاستمرار في مواجهة التحديات التي تتراكم داخلياً وخارجياً. وبينما نجح في تمرير عملية الخلافة، فإن معركة البقاء الحقيقية ما زالت أمامه، في وقت تبدو فيه إيران مقبلة على مرحلة قد تكون الأكثر حسماً منذ قيام النظام قبل سبعة وأربعين عاماً.

