من حظر الكتب إلى إعدام الشعراء.. رعب الديكتاتورية من الوعي المستقل في إيران
من الرقابة والسجن إلى المنفى والإعدام، أمضى النظام الإيراني عقوداً في محاولة إسكات الأصوات المستقلة والسيطرة على الوعي الجماعي للأمة
الأنظمة الاستبدادية لا تخشى الأسلحة وحدها. بل تخشى الكلمات، والذاكرة، والفن، والخيال المستقل. قد تصبح الشوارع ساحة المعركة المرئية للقمع، لكن الحرب الأعمق غالباً ما تُخاض ضد اللغة ذاتها. في إيران، أمضى النظام الإيراني عقوداً في بناء السجون ليس فقط للمعارضين السياسيين، بل للقصائد، والأغاني، والكتب، والأفلام، وكل أشكال التعبير الثقافي التي تفلت من رقابته الأيديولوجية الخانقة.
منذ السنوات الأولى التي تلت ثورة 1979، أدرك النظام أن احتكار السلطة السياسية يتطلب السيطرة المطلقة على السردية، والتعليم، والذاكرة الجماعية. تم تطهير الجامعات خلال ما سُمي بـ الثورة الثقافية. وأُنشئ المجلس الأعلى للثورة الثقافية لمأسسة الرقابة الأيديولوجية على الأوساط الأكاديمية، والنشر، والفنون. وأصبحت وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي حارس بوابة الخطاب المسموح به، بينما تطورت الرقابة لتصبح ركيزة دائمة ووحشية للحكم.
وما تلا ذلك لم يكن مجرد تنظيم للثقافة، بل حملة ممنهجة من الترهيب والتصفية. أُغلقت الصحف، وحُظرت الكتب أو أُجبر أصحابها على إعادة كتابتها بما يرضي السلطة. واختفت الأفلام في أرشيفات الرقابة المظلمة. وأُسكت المغنون. ونُفي الكتاب أو سُجنوا أو قُتلوا. وحتى اليوم، وبعد مضي عقود، تستمر آلة القمع في التطور إلى أشكال أكثر قسوة وصراحة.
مافيا الحجب في إيران: الرقابة الرقمية تتحول إلى تجارة سوداء بآلاف المليارات
تتزايد الفضائح حول “الإنترنت الطبقي” و”شرائح الاتصال البيضاء” المخصصة للمقربين من النظام الإيراني، كاشفة عن مافيا ضخمة تدير تجارة سوداء لبيع برامج كسر الحجب والإنترنت الموازي. وتدر هذه التجارة عشرات آلاف المليارات من التومانات التي تتغذى عليها مؤسسات أمنية ومالية ترتبط مباشرة بقوات الحرس ومؤسسة المستضعفين.
وتكشف القضايا الأخيرة المرفوعة ضد الكتاب، والمعلمين، والشعراء الغنائيين، والنشطاء الثقافيين مدى صراحة النظام في تجريم التعبير بحد ذاته. فالارتباط المتزايد لتهم مثل المحاربة (العداء لله) والبغي (التمرد المسلح) لم يعد يقتصر على الأعمال العنيفة، بل يطال الأغاني، والنشاط الاجتماعي، والخطاب عبر الإنترنت، والمعارضة الفكرية. الرسالة واضحة لا لبس فيها: في ظل النظام الكهنوتي، يمكن أن تصبح اللغة ذاتها دليلاً على جريمة يُعاقب عليها بالإعدام.
لقد أصبح المناخ أكثر قتامة وسط الانقطاعات الواسعة لشبكة الإنترنت وتكثيف الحملات الأمنية الشرسة. فمنذ أكثر من شهرين، تركت القيود الصارمة المفروضة على الاتصالات العديد من الكتاب والفنانين والنشطاء المحتجزين معزولين فعلياً عن العالم الخارجي. وقد تم اعتقال البعض خلال الاحتجاجات والاضطرابات التي تلت التطورات السياسية الأخيرة؛ بينما اختفى آخرون ببساطة في الآلة الغامضة لجهاز أمن النظام.
ووفقاً لمنظمة قلم الأمريكية (PEN America)، تحتل إيران اليوم المرتبة الثانية عالمياً كأكبر سجان للكتاب بعد الصين. وتفيد التقارير أن عدد الكتاب المسجونين ارتفع من 43 في عام 2024 إلى 53 في عام 2025، بينما يواصل النظام الإيراني الاحتفاظ بلقبه القاتم كأكبر سجان للكاتبات في العالم.
وقد حذرت كارين دويتش كارليكار مؤخراً من أن أزمة حرية التعبير في إيران قد تفاقمت بشكل دراماتيكي. فالكتاب لا يواجهون فقط القمع الهيكلي من قبل الدولة، بل يواجهون أيضاً العواقب المميتة لتصاعد العسكرة، والصراع الإقليمي، والجو الأمني المتوسع الذي أعقب المواجهة بين إيران وإسرائيل.
ومع ذلك، فإن الإحصائيات وحدها لا يمكنها أن تجسد بالكامل معنى السجن داخل إيران. فالسجن ليس انقطاعاً مؤقتاً للحياة؛ بل هو نظام تآكل مستمر. تستمر المراقبة لفترة طويلة بعد إطلاق سراح السجين. ويبقى السجناء السابقون مدرجين في القوائم السوداء، ومراقبين، ومعزولين. ويخشى الأصدقاء من الحفاظ على التواصل معهم، بينما ترتعد العائلات خوفاً من أن التواصل العادي نفسه قد يجلب لهم العقاب.
في إيران اليوم، أصبحت الكتابة بحد ذاتها عملاً سياسياً. وعندما يتوجب على كل جملة أن تنجو أولاً من مقصلة الرقابة، يصبح الصمت نفسه شكلاً من أشكال الإكراه. ويُجبر الكتاب على اتخاذ خيارات مستحيلة: إما الخضوع للرقابة، أو النشر السري، أو مغادرة البلاد، أو المواجهة المفتوحة مع النظام بتكلفة شخصية باهظة.
إن خوف الدولة من الأصوات المستقلة ليس من قبيل الصدفة. فالديكتاتوريات لا تعيش فقط من خلال السجون والبنادق، بل من خلال السيطرة على السرديات. تحاول السلطة إعادة كتابة التاريخ، ومحو الأسماء، واختزال المعاناة إلى مجرد إحصائيات حتى يتم تحييد الذاكرة نفسها. الأدب هو من يقاوم هذا المحو؛ فيمكن لقصيدة أن تحفظ صوت شخص أُعدم قبل عقود، ويمكن لرواية أن تبقي الحقائق التي تريد الدولة دفنها إلى الأبد حية وتنبض.
وهذا هو بالضبط السبب الذي يجعل الرقابة في إيران لا تعمل كمجرد آلية تنظيمية، بل كجزء من بنية أوسع للإبادة والتصفية. لقد أصبح العديد من الكتاب ممنوعين فعلياً من النشر دون أن يتلقوا أي أحكام قانونية رسمية. وتبقى مخطوطاتهم حبيسة خلف الأبواب المغلقة لبيروقراطية الرقابة. ويواجه الناشرون الترهيب والإغلاق والمصادرة. أجيال كاملة من العمل الفكري تم تأخيرها أو تشويهها أو محوها قبل أن تصل إلى القراء.
وتبقى فصول هذا القمع الأكثر دموية عصية على الانفصال عن تاريخ إيران الأدبي الحديث. فخلال جرائم القتل المتسلسلة في التسعينيات، تم اختطاف وقتل كتاب ومثقفين من بينهم محمد مختاري ومحمد جعفر بوينده. كما قُتل داريوش فروهر وبروانة فروهر بوحشية في نفس حملة التصفية المرتبطة بالدولة.
وبحلول أواخر التسعينيات وأوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، اجتاحت البلاد موجة جديدة من إغلاق الصحف وقمع وسائل الإعلام. ودخل الصحفيون والمحررون والشخصيات الثقافية في الدوامة المألوفة من الاعتقال، والاستجواب، والسجن، والحظر المهني، والصمت القسري.
فضيحة الإنترنت الطبقي: اعتراف برلماني بحرية تصفح المسؤولين للشبكة “دون حجب” في إيران
فجّر نائب في برلمان النظام الإيراني فضيحة جديدة تخص “الإنترنت الطبقي”، معترفاً بأن النواب وقادة الأجهزة الأمنية والاستخباراتية يتمتعون بإنترنت مفتوح بالكامل وخالٍ من القيود. ويقبع المواطنون تحت وطأة حجب خانق وسرعات متدنية، مما يكرس التمييز الهيكلي والفجوة الرقمية الشاسعة بين عامة الشعب وأركان السلطة.
وفي نهاية المطاف، توسع القمع إلى ما هو أبعد من الأدب بكثير. حيث أصبح الموسيقيون السريون، والمغنيات، وصناع الأفلام، ورسامو الغرافيتي، والمترجمون، والمعلقون عبر الإنترنت جميعهم أهدافاً مستباحة. وتطورت وسائل التواصل الاجتماعي نفسها لتصبح مساحة للمراقبة والتجريم. وعلى مدى أربعة عقود، بنى النظام جهازاً متعدد الطبقات للسيطرة على اللغة: مكاتب الرقابة، ووكالات الاستخبارات، والمحاكم الثورية، والمحاكم الإعلامية، والسجون، وبشكل متزايد، المشانق.
بالنسبة للعديد من الكتاب والفنانين الإيرانيين في المنفى، جلب البقاء على قيد الحياة جراحه الخاصة. لقد أصبحت سنوات من التشريد، والفقر، والصدمات النفسية، والعزلة، والانفصال عن اللغة الأم جزءاً من التكلفة الخفية للرقابة. توفي بعض المثقفين المنفيين في ظروف غامضة؛ ودُفع آخرون نحو اليأس والدمار الذاتي.
في إيران، أن تصبح كاتباً أو فناناً معترفاً به غالباً ما يعني الدخول في جحيم بطيء وممض. تبدأ الدورة بالرقابة والحظر المهني، وتتصاعد إلى الاستجواب والسجن، وتمتد في كثير من الأحيان إلى المنفى، أو المحو الاجتماعي، أو الموت. وحتى الموت نفسه في بعض الأحيان لا يكون كافياً؛ إذ يمكن أن يستمر الاضطهاد من خلال تدمير القبور، والحظر الدائم على الأعمال، ومحاولة محو الذاكرة بحد ذاتها.
ولكن على الرغم من عقود من القمع، يستمر الكتاب الإيرانيون في الكتابة. وهذا الإصرار هو بحد ذاته عمل من أعمال المقاومة. قد يسيطر النظام على المطابع، والسجون، والمحاكم، ووسائل الإعلام الحكومية، لكنه لم ينجح أبداً في السيطرة الكاملة على الخيال. وهذا الفشل بالذات هو ما يستمر في إثارة رعب السلطة الاستبدادية وزلزلة عروشها.
- اقتصاد نظام الملالي على حافة الانهيار الكبير
- وحدات المقاومة هي البديل القادرعلى إسقاط النظام الإيراني.. ومسيرة باريس ستكون حاسمة
- جاست ذا نيوز: النظام الإيراني يحول البلاد إلى مسلخ
- نيوزماكس: النظام الإيراني ينفذ 80% من الإعدامات العالمية ويحول البلاد إلى مسلخ بشري
- من الجفاف إلى غلاء الأسعار.. سياسات النظام الإيراني تدمر الإنتاج وتعمق الجوع
- من حظر الكتب إلى إعدام الشعراء.. رعب الديكتاتورية من الوعي المستقل في إيران

